صحفي سوري/خطيب بدلة

نذير الدايخة يعلن النفير


بقلم/ صحفي سوري/خطيب بدلة
نشر منذ: 10 أشهر و 17 يوماً
الإثنين 03 إبريل-نيسان 2017 05:42 م




إدلب-22 إبريل 2011
كانت السيدة "أم نذير الدايخة" مستلقية على الأريكة قبالة جهاز التلفزيون العتيق، وكانت شاردة. فجأة سمعتْ أصواتَ تكبير رجال، فحسبتْ أنها صادرة عن إحدى المحطات التلفزيونية التي اعتادت أن تنقل مقاطع من المظاهرات التي تخرج أيام الجُمَع في مختلف أنحاء سورية، ولكنها، حينما فتحت عينيها، وعركتهما، وجدت أن التلفزيون مستقر على "الفضائية السورية" التي كانت تبث حديثاً دينياً للشيخ محمد سعيد رمضان البوطي يتحدث فيه عن وجود خطة محكمة للتآمر على سورية، تنفذها دولٌ مختلفة في المنطقة، والعالم..
هرعت، من دون أن تفكر، إلى الغرفة التي يجلس فيها ابنُها نذير، ومثلما توقعتْ تماماً؛ وجدته يرتدي ثيابه على عجالة، ويردد مع أصوات المكبرين عبارة: الله سورية حرية وبس، وكأنه يريد أن يشعرهم بانضمامه إليهم. التفت نذير نحو أمه، فرأى عينيها مغرورقتين بالدمع. فقال بحياد، وكأنه يتحدث عن شأن لا يخصهما:
- أنا أعرفُ لماذا تبكين. أنت تتخيلين، الآن، أنني سأنزل، وأنخرط مع الرجال في المظاهرة، وأن عناصر المخابرات سيوجهون فوهات بنادقهم نحونا، ثم يحصدوننا حصاداً، وأنك، بعد أن أخرج من هنا بقليل، ستتلقين خبر موتي، أو استشهادي، وسوف ينحرق قلبك علي، أو، ربما يضربوننا بالقنابل الدخانية، فتغيبَ عن عيني الرؤية، وأفتل في مكاني، حتى أقع في أيديهم أسيراً، فيحملني العناصر ويرمونني في مؤخرة السيارة مثل كيس البطاطا، وبعدها لا يعود إنسانٌ أو حيوانٌ أو جنّيٌّ قادراً أن يعرف إلي سبيلاً..
مشى نحو باب الغرفة، وتوقف عنده، وتابع: هذا الاحتمال وارد، ولكنك، مثل كل الأمهات، تضعين أمام ناظريك الاحتمال الأسوأ، وهو أنني سأشارك مع المتظاهرين، وكأنك نسيت أن الإخوة الذين يؤيدون النظام قد بدؤوا، على الفور، بتسيير مظاهرات مؤيدة للأسد، راعي العلمانية والديمقراطية، وصاروا يمشون وراء المحتجين، الكعب على الكعب، ويهتفون (الله سورية بشار وبس).. وهناك احتمال ثالث هو أن أتخذ موقف المتفرج الذي يريد أن يعرف إلى أين سيأخذه الوضع الجديد، والاحتمال الرابع هو أن أقف عند مدخل البناية، في أهبة الاستعداد، حتى إذا استشعرتُ خطراً أدخل البيت، وأقول لمن يسألني: نحن ما لنا علاقة بشيء، الله تعالى يطفيها بنوره.
قالت أم نذير بحماس: أحسن أحسن. والأحسن أن نبقى نحن في بيتنا، ونسكر على أنفسنا الباب، ولا أبوك ولا أبو الشيطان.
ضحك نذير وقال: كلامك عن أبي وأبو الشيطان ليس دقيقاً، فأهالي بلدنا كلهم يعرفون أن أبي هو المرحوم "ديب الدايخة"، وأنت، حينما سألتك، ذات مرة إن كان هو أبي أم لا، حلفتِ لي أنه أبي، وأما الشيطان فليس له أب، ولأنه عديم الأصل فقد دخل في منخار والد صديقي عبدو، وأفهمه أن أفضل طريقة للعيش في سورية الأسد هي أن تبتعد عن السياسة وتقعد في بيتك وتغلق الباب، والرجل سمع كلامه، وقعد، ولكنه، ذات فجر، فوجئ برفس على الباب يشبه رفس البغال الشموسة، فلما فتح وجد أمامه دورية من الأمن، شحطوه إلى الفرع، وهناك ضربوه، كما تضرب البغال الشموسة، مع سؤال كرره عليه جميع المحققين، هو: لماذا تجلس في بيتك ليلاً نهاراً وتغلق على نفسك الباب؟! اعترف أحسن لك، ماذا تفعل في البيت؟ ومن يتصل بك، وأنت بمن تتصل؟ والمشكلة أنه لا يمتلك جواباً، لأنه، لو كان ينزل إلى الشارع، ويتصل بفلان وعلان وعلاك البان، لأصبح لديه جواب عن هذه الأسئلة التي ما فتئوا يضربونه ويعذبونه لأجلها، حتى مات، وأحضروه إلى زوجته، والدة رفيقي عبد الحميد، ضمن تابوت!
شهقت أم نذير، وتقدمت من نذير تريد أن تبذل محاولة أخرى لثنيه عن فكرة الخروج من المنزل، ولكنه، في تلك اللحظة، خرج وأغلق الباب.



عودة إلى آراء واتجاهات
آراء واتجاهات
الكاتب/محمد عبدالله القادريهل أدركت ذلك يا صالح ؟
الكاتب/محمد عبدالله القادري
الكاتب الصحفي/وائل قنديلالسيناريو المرعب في مصر
الكاتب الصحفي/وائل قنديل
الكاتب الصحفي/وائل قنديلالبكاء بين يدي تيران وصنافير
الكاتب الصحفي/وائل قنديل
الكاتب/بدر الإبراهيمنقد الدولة ونقضها
الكاتب/بدر الإبراهيم
كاتب/أحمد عمررئيس لكنّه إبليس
كاتب/أحمد عمر
مشاهدة المزيد

جميع الحقوق محفوظة 20152018 سما برس - الرئيسية