الكاتب/معن البياري

في يوم دوستويفسكي


بقلم/ الكاتب/معن البياري
نشر منذ: 6 أشهر و 10 أيام
الأحد 09 يوليو-تموز 2017 05:32 م




ثمانية عشر كتابا كبيرا، متتابعة الأجزاء، على هيئةٍ واحدة، من إصدار دار نشرٍ قاهريةٍ في الستينيات، الغلاف موحدٌ لكل منها، ذو لونٍ فيراني، والورق ملمسه مريح وذو نعومة. ربما يحزر العتاقى من القرّاء العرب عمّ الإشارة هذه هنا. ... إنها إلى مجلدات دوستويفسكي، إلى رواياته الأربع عشرة، ذات الحجوم الكبيرة، ولقصصٍ أخرى له. مشهورةٌ تلك الطبعة لتلك الروائع العالية القيمة في مجرى الأدب العالمي، ومشهورٌ أن دبلوماسيا ومثقفا سوريّا، اسمه سامي الدروبي، هو من أنفق عشرين عاما في نقل هذه النصوص إلى العربية من الفرنسية، واستقرّ إجماعٌ عتيدٌ على فرادة ترجمته وحذاقتها، وكذا روعة خيانتها الأمينة، حتى أن مستشرقا روسيا، أظنه كراستوفسكي، قال إن دوستويفسكي لو كتب بالعربية لما كتب أجمل ممّا فعل الدروبي. 
ولكن، ما الذي جاء بالكاتب الروسي إلى البال هنا؟ .. إنه يوم دوستويفسكي، في أول سبت من يوليو/ تموز كل عام. هناك، في سان بطرسبورغ، أحيوا المناسبة، بالاحتفاء بالكاتب العظيم، بالتجوّل في خيالاته وعوالمه، بقراءاتٍ في قصصه ورواياته، في استعادة مروياتٍ عن حياته، بزيارات أمكنةٍ حضرت في نصوصه. وأظنّهم، في الغرب، يصنعون احتفالياتٍ مثل هذه لتكريم رموزٍ كبرى في الآداب والفنون. أقيم لشكسبير وجيمس جويس مثلُ هذا في لندن ودبلن. ويضنّ أرشيفنا العربي، القريب والبعيد، بأفراحٍ إنسانية مثل هذه. لم يفعل الأردنيون شيئا منها بشأن مصطفى وهبي التل (عرار)، ولا بادر المصريون إلى تذكّر نجيب محفوظ بمثلها، ولا حاول الفلسطينيون احتفاءً بغسان كنفاني بهذه الكيفيّة الأنيقة، والحارّة.
لا أعرف إنْ ما زالت لدوستويفسكي قراءةٌ عريضة بيننا، نحن العرب، وما إذا كانت الأجيال الراهنة تُطالعه، أو تنجذب إليه. لا تقوم مناهج التعليم، ولا الصحافة الثقافية، ولا وسائط الإعلام، بتذكيرٍ به (وبغيره). لا تعمل أيٌّ من هذه على "ترويج" هذا الكاتب الذي تعلقت رواياته بجوانيات الإنسان، بالخير والشر فيه. وذهبت، باستفاضاتٍ عميقة، إلى إحالاتٍ فلسفيةٍ ودينية كثيرة، في هذا كله وغيره. وقد استحقّ صاحب "الشياطين" ما خُلع عليه من أوصاف، ومنها أنه أحد أعظم الكتاب في العالم، ربما لما اشتملت عليه أعماله من طوافٍ متعدّد الأبعاد والمستويات في النفس البشرية. وإذا كانت السينما قد التقطت بعض "شغل" دوستويفسكي، وبعض عتاده الثقيل هذا، إلا أنها غالبا ما اعتنت بالحكاية، بالحدّوتة، ولم تُتعب نفسَها، إلا بحدود طفيفة، بتلك المطارح الفلسفية في هذا الشغل والعتاد. وربما لسببٍ مثل هذا، ظل دوستويفسكي أقل حظوةً لدى أهل السينما وصنّاعها من شكسبير مثلا، على الرغم من أنه قصّاص، ما قد يعود أيضا إلى التنوّع المهول في محكيّاته، وشخصياته والعلاقات في ما بينها. ولدينا، في السينما المصرية، أكثر من فيلم استلّ "حكايته" من دوستويفسكي، مثل "سونيا والمجنون" (حسام الدين مصطفى، 1977)، عن "الجريمة والعقاب". كان فيلما تجاريا معقولا، اقترب جيدا في بناء شخصيته المركزية، راسكولينكوف (محمود ياسين)، مما في الرواية، غير أن أنفاس دوستويفسكي بشأن العميق من أسئلة النفس البشرية عن الخطيئة والشرّ والألم والأقدار لم تحضر وافيةً في الفيلم.
عاش فلاديمير ميخايلوفيتش دوستويفسكي ستين عاما، وتوفي قبل مائة وستة وثلاثين عاما. تتوفّر سيرة حياته على مطارح مثيرة وشائقة ودرامية، فيها دأب على تأهيل الذات، والمغامرة، ولعب القمار (له رواية "المقامر")، خسر أموالا كثيرة في لعب الروليت، وعلى ذمّة من كتب عنه، اضطرّ، في محطة في حياته، إلى التسوّل. في حياته خساراتٌ شخصية كثيرة، ومباهج أقل. تطالع هذه السيرة، فيغشاك سؤالٌ عن الوقت، كيف كان يعثر عليه ليكتب ما كتب من رواياتٍ مهولة، غزيرة الأجواء. كان مثقفا في الفلسفة والدين والسياسة، قضى في السجن سنواتٍ (بعد حكم بالإعدام تم تخفيفه)، جرّاء احتفاله بكتبٍ ممنوعة (!)، عاش سنوات في باريس وبرلين، تزوّج مرتين، عمل صحافيا، أنشأ مجلةً لم تنجح. درس وتخرّج مهندسا عسكريا. .. هل كان دوستويفسكي يعيش بوصفه بطلا في رواية، أخطأت الأقدار، وجعلته يقيم في الدنيا؟ ربما. هل هذا هو السبب الذي صنع منه كاتباً استثنائيا وكونيا؟ ربما.



عودة إلى أقلام سماء برس
الأكثر قراءة منذ أسبوع
كاتبة وناشطة يمنية/ بشرى المقطريعاصفة القتل في اليمن
كاتبة وناشطة يمنية/ بشرى المقطري
أقلام سماء برس
الكاتب/أحمد الياجوريالربيع العربي مستقبل مجهول ...
الكاتب/أحمد الياجوري
كاتبة/فاطمة ياسينباسل.. جرحنا المفتوح
كاتبة/فاطمة ياسين
الكاتب/بشير البكراليمن في زمن الكوليرا
الكاتب/بشير البكر
الكاتب/ميشيل كيلولنخرج من الفصائلية
الكاتب/ميشيل كيلو
مشاهدة المزيد

جميع الحقوق محفوظة 20152018 سما برس - الرئيسية