الكاتب/معن البياري

هذا الأمر الملكي السعودي


بقلم/ الكاتب/معن البياري
نشر منذ: 3 أشهر و 20 يوماً
الخميس 28 سبتمبر-أيلول 2017 05:31 م




ليس يوم إجازة الملك سلمان بن عبد العزيز قيادة المرأة السعودية السيارة، بعد 10 شوال المقبل (يونيو/ حزيران 2018) تاريخيا، لأن مندوب المملكة في الأمم المتحدة، عبدالله المعلمي، اعتبره كذلك، لمّا صفّق لهذا الأمر الملكي في اجتماعٍ مع نظراء له من دول العالم في الهيئة الأممية، فصفّقوا معه، وبعضهم ذاهلون من هذا الشأن الغريب. وإنما "تاريخيّة" هذا اليوم لأن الملك لم يلغ فيه قرارا تنفيذيا، أو قانوناً مرسَّما مأخوذا به، وإنما كسر تحريم مشايخ ووعاظ عديدين، أطنبوا عقودا في تأكيد هذا التحريم، لما تشتمل عليه قيادة المرأة السعودية من "مفاسد"، رآها الشيخ محمد بن عثيمين، كبيرةً، "فضلاً عن أنها ربما تكون سلّما وبابا لأمورٍ أخرى، ذات شرور فتّاكة وسموم قاتلة". ولذلك، بدا الأمر الملكي، وهو في صيغة رسالةٍ إلى وزير الداخلية، مناظرةً في مجادلة هذا المنطق، فبعد أن أوجز بأن ثمّة "سلبياتٍ وإيجابياتٍ" لقيادة المرأة السيارة، جاء على "ما رآه أغلبية أعضاء هيئة كبار العلماء بشأن قيادة المرأة للمركبة من أن الحكم الشرعي في ذلك هو من حيث الأصل الإباحة، وأن مرئيات من تحفّظ عليه تنصبُّ على اعتباراتٍ تتعلق بسد الذرائع المحتملة التي لا تصل ليقين ولا غلبة ظن، وأنهم لا يرون مانعاً من السماح لها بقيادة المركبة، في ظل إيجاد الضمانات الشرعية والنظامية اللازمة لتلافي تلك الذرائع، ولو كانت في نطاق الاحتمال المشكوك فيه". 
وتعني هذه الاستفاضة في "أمر ملكي"، قليل الكلمات، أنه ليس صحيحا بالضرورة أنه "إذا قالت حذامِ فصدّقوها، فإن القول ما قالت حذامِ". ويؤكّد هذا أن الملك سلمان يذكّر الجميع، أو من لا يريد أن يتذكّر، أنه "لكون الدولة هي، بعون الله، حارسة القيم الشرعية، فإنها تعتبر المحافظة عليها ورعايتها في قائمة أولوياتها، سواء في هذا الأمر أو غيره". والبديهيّ أن هذا القول، إذ يصدر تحديدا من خادم الحرمين الشريفين، في شأنٍ تتوفّر بصدده أرطالٌ من فتاوي التحريم، ليس غرضه، طبعا وبداهة، الاتساق مع دعوة يوسف العتيبة، الخائبة والمضحكة، إلى العلمانية في المملكة (وغيرها)، وهو الرجل الذي كان قد أخذ، في رسالةٍ منه إلى صديقه توماس فريدمان، على حكام العربية السعودية "أنهم لا يبيحون بيع الزهور في عيد الحب"، وإنما الغرض الظاهر في الأمر الملكي أن تعرف المؤسّسة الدينية في البلاد أن ثمّة حدودا يجب أن تتضح بين وظيفة الدولة، عندما تحرس القيم الشرعية، ووظيفة هذه المؤسسة، عندما تحرس القيم نفسها، وأن هناك مساحاتٍ من التفاهم، الضمني والعلني، في هذا الشأن. وهذا مشروع القانون الذي ينظر فيه مجلس الشورى، أن تصير هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحت مظلة وزارة الشؤون الإسلامية، يؤشّر إلى أن محمد بن سلمان ينتظر أن يأتي إليه عرش بلاده، قريبا، مصحوبا بمباركة الوعاظ والعلماء وحرّاس الدين، ولكن من غير السلطات الفادحة التي طالما تنعّموا بها، فصنعوا من مزاجهم الخاص، والمتشدد، إيقاعا اجتماعيا معلوم التفاصيل.
وإذ ستجري مياه كثيرة في العربية السعودية، في الشهور الثمانية المقبلة قبل بدء المرأة السعودية قيادة السيارة، فإن من المرجح أن نصادف جدالاتٍ اجتماعيةً، في منابر رسمية وأهلية، في فضاءات التواصل الاجتماعي وغيرها، بشأن "الضوابط الشرعية والنظامية المعتمدة" التي سيسري على هديها تنفيذ الأمر الذي أصدره الملك سلمان، أول من أمس، وجعل المتحدّثة باسم البيت الأبيض تضحك، وهي ترحّب به. وربما ستكون هذه "الضوابط" مجال اختبارٍ آخر، تحاول فيه المؤسسة الدينية التي صار نفوذها يتناقص حماية وجودها و"وظيفتها". .. ويتأمل المراقب في هذا المستجد السعودي، وحواشيه، ودوافعه (هل ثمّة منها ما هو اقتصادي؟)، وهو لا يلحظ غير "ضوابط" التشدّد، البالغة الفظاظة، على المجال العام، يمارسها الحكم في المملكة، في طوره الراهن، المتوتر، والفاشل خارجيا، عندما لا يستأنس بأي عقل، وهو يأخذ دعاةً ومثقفين وأساتذة جامعاتٍ وصحافيين إلى الاستنطاق والحبس، فيدفع كاتبا اسمه جمال خاشقجي، يعلن، في أميركا، ولاءه لمليكه، ويكتب في "واشنطن بوست" عن قمعٍ في بلاده لا يُحتمل.



جميع الحقوق محفوظة 20152018 سما برس - الرئيسية