الكاتب/معن البياري

في عيد بلدنا لأربعين


بقلم/ الكاتب/معن البياري
نشر منذ: 3 أسابيع و يوم واحد و 17 ساعة
الجمعة 29 ديسمبر-كانون الأول 2017 06:09 م




هناك، في مراكش، قبل 28 عاما بالضبط، في تظاهرةٍ بهيجةٍ للاحتفاء بفن الكاريكاتير، كنت صحافيا فيها، دردش معي شابان مغربيان عَرَضا، ثم فاجآني بسؤالي، لمّا أخبرتهما أنني قدمت، قبل أسابيع، إلى المغرب من الأردن، عن أخبار فرقة بلدْنا التي قالا لي إنهما أُعجبا بأغنياتٍ لها، سمعاها من "كاسيت" صادف أن توفّر لهما.

غشيني لحظتَها فرحٌ كثير، مبعثه أن في هذه المدينة في المغرب الأقصى من يعرفون عن فرقةٍ أردنيةٍ للأغنيات الوطنية كانت، في تلك الغضون، تتعرّض لمضايقاتٍ رسميةٍ، ويناضل شبابُها، في ظروفٍ صعبة، من أجل بقائها وحضورها أخبرتُ الشابين إن قائد الفرقة وملحن أغانيها، كمال خليل، معتقل.

استغربا، وبدا أن التباسا تسلّل إليهما، بأن يكون كمال في أحد سجون الاحتلال الإسرائيلي. صحّحت الأمر لهما، وأخبرتُهما أن ثمّة سجونا عربيةً يمكن أن يُحبس فيها المناضلون أيضا، وأن في الأردن أحكاما عرفيةً، وأن كمال خليل متّهم بانتماءٍ حزبي، فيما هو فنانٌ وحسب، ويغنّي للحرية وللأردن ولفلسطين وللعدالة.

أظنّهما كانتا سنتين قضاهما الصديق النبيل في ذلك الاحتجاز، وفي أثنائهما كان يلحّن قصائد لشاعر الفرقة الأشهر، إبراهيم نصرالله (وغيره ربما)، فلم تحتجب أغنيات "بلدْنا" عن فضاءات طلبةالجامعات، وعن أوساطها الشعبية الواسعة. 

أما مناسبة استدعاء بهجة مراكش الباقية في البال، و"حبسة" كمال خليل تلك، هنا، فهي أن عمّان شهدت، قبل أيام، احتفالا فنيا كبيرا لفرقة بلدْنا بمناسبة عيدها الأربعين.

ولولا المغترب، لكنت من بين كثيرين تقاطروا لحضور هذه الفرحة، لا للتهنئة فقط، وإنما أيضا لأن ثمّة ما هو خاصٌّ أيضا، هو أن "بلدْنا" ولدت في مدينة الرصيفة (قرب عمّان) التي كنّا، كمال وأنا، من ساكنتها عقودا، وهي مدينة يفاعتنا وشبابنا.

فقد نشأت النواة الأولى للفرقة في نادٍ للأطفال في جمعيةٍ فيها، بإسهامٍ أساسي في حينه من الفنان وضّاح زقطان، قبل أن يواصل مسيرتَها كمال خليل، ويأخذها إلى نجاحاتِها التي تتابعت لاحقا، على الرغم من متاعب لا عدّ لها، وعلى الرغم من ضيق الحال.

وهنا، لا مجاملة لهذا الرجل الزاهد أبدا في التعريف به مناضلا حقيقيا، فقد تعب كثيرا وفاءً لانحيازه إلى الجمال والحرية.

عمل في ورشات البناء، وتخرّج بشهادةٍ جامعيةٍ في الموسيقى، بعد تسع سنواتٍ متقطعةٍ في الدراسة بسبب ظروفٍ قاسية، وغادر الأردن زمنا.

وفي أثناء هذا كله، وغيره، حمى "بلدْنا" من النسيان، وأبقى اسمها في مطرحٍ مضيءٍ في ذاكرة الأردنيين، وهي التي كانت "كاسيتاتها"، في الثمانينيات خصوصا، من تفاصيل إيقاعات طلاب الجامعات ومناخاتهم. وكانت أغنياتُ حفلاتها في مدن الأردن ومخيماته وأريافه انتسابا إلى أفق الحرية والمحبّة وفلسطين.
هذه أربعون عاما مضت، أدّت فيها "بلدْنا" أكثر من مائة أغنية، منذ ما قبل "يا راية شعبي المرفوعة"، وكانت في

العقود الأربعة هذه، عن حق، أهم ظاهرةٍ فنيةٍ في زمن الأحكام العرفية في الأردن، على ما كتب، مصيبا تماما، الشاعر إبراهيم نصر الله الذي كان أبرز داعمي الفرقة.

وإذا كان لها ألبومان (أو ثلاثة) فقط، طوال هذه الأربعين سنةً، فذلك لأنه ليس في وسعها ماليا إصدار نتاجها في ألبوماتٍ أكثر.

كانت من عشرين طفلا وثلاثة عازفين، وصارت الآن أربعة عشر شخصا من عازفين وكورال، وبات لها مقرٌّ معروف في عمّان.

والأمل هو أن تنعطف "بلدْنا"، بعد شمعتها الأربعين، إلى ما يُبقيها جديدة دائما، وفي عافيتها الفنية، وأكثر نشاطا وحضورا، وأن تستمر شابّة ريّانة، وهي التي غنّت في البرازيل وأميركا وألمانيا و، وفي غير بلدٍ عربي. فثمّة جفافٌ ويباسٌ كثيران أصابا الروح العربية التي يستهدفها العطب والموات، والفن النظيف هو مما يسعفها، ويعين على صوْن وجدان الأمة.

وإذا كانت "بلدْنا" قد هزمت كل ألوان القسوة التي مرّت بها، وظلّت رايةُ جمهوريتها الأردنية، والفلسطينية، والعربية، والإنسانية، مرفوعةً، في السنوات المرّة غير المنسية، فإن في وسعها أن تنتصر على كل رياح اليأس والكُساح، فنحتفي بأعيادها القادمات كل عام، ونحن مليئون بها، وممتلئون بالفرح بها.



عودة إلى أقلام سماء برس
أقلام سماء برس
الكاتب الصحفي/وائل قنديلعرب ميكرونيزيا : عبدة المفاوضات
الكاتب الصحفي/وائل قنديل
الكاتب/معن البياريالتنوير هراوةً في 2017
الكاتب/معن البياري
صحفي سوري/خطيب بدلةيا طيب القلب يا قلبي
صحفي سوري/خطيب بدلة
الكاتب/ميشيل كيلوالأسد معياراً لسوتشي
الكاتب/ميشيل كيلو
كاتب/عبد اللطيف السعدونالقدس شخصية العام
كاتب/عبد اللطيف السعدون
مشاهدة المزيد

جميع الحقوق محفوظة 20152018 سما برس - الرئيسية