الكاتب/معن البياري

هؤلاء القراء هذه الكتب


بقلم/ الكاتب/معن البياري
نشر منذ: شهرين و 11 يوماً
الأحد 11 فبراير-شباط 2018 05:31 م


لا تتوفر دراساتٌ استطلاعيةٌ، علميةٌ وموثوقةٌ منهجيا، توضح بالضبط مدى صحة المقولة الرائجة عن تراجع إقبال المواطن العربي، على اختلاف أمزجته وأذواقه واهتماماته، على قراءة الكتب، باختلاف موضوعاتها ومشاغلها. ومع أرجحية القول إن لهذا التراجع، إن كان حادثا، أسبابا تسوّغه، لعل في مقدمتها ارتفاع أسعار الكتب، بالتوازي مع الغلاء العام الذي يضرب في كل البلاد العربية (التعميم في محله)، ويؤثّر بالضرورة على مستوى إنفاق المواطن العربي على متطلباته وأولويات عيشه ومصروفاته اللازمة والملحّة.

مع التسليم بهذه البديهيّة، إلا أنها تحتاج إلى اختبار، وفحص مدقّق، يقف على ما تحضر في تفاصيلها من تمايزاتٍ بين شرائح اجتماعية، عمرية وطبقية، في خصوص قراءة الكتب. ومن دواعي إجراء هذا الاختبار أن معارض الكتب في البلاد العربية تنتظم بنجاح، وأن مئات دور النشر العربية تحرص على المشاركة فيها، مع ما لذلك من تكاليف ليست قليلة، ومن مفارقاتٍ في هذا الأمر أن شكاوى دور النشر هذه لا تتوقف، فيما تبقى شديدة الحرص على المشاركة والحضور. 

مناسبة إثارة هذا الأمر أن معرض القاهرة الدولي للكتاب اختتم موسمه للعام الحالي قبل أيام، وأن الأخبار بشأنه تحدّثت عن تحسّن نسبي في مبيعات الكتب، وأن أجنحة العرض عجّت بالرواد، وأن توافد الشباب عليه كان ملحوظا، وأن أربعة ملايين ونصف مليون تقاطروا إلى هذا المعرض الذي باتت زيارته أشبه بتظاهرة اجتماعية وتقليد سنوي في مصر، أو القاهرة على الأغلب.

وإذ افتتح، أول من أمس، معرض الدار البيضاء الدولي للكتاب، فإن المتوقّع أن نطالع بشأنه أخبارا شبيهةً بتلك القاهرية، سيما وأن معارض عمّان والدوحة وبيروت والرياض، في الشهور القليلة الماضية، على ما حفّ بها من مشكلات غير هيّنة، إلا أن الانطباعات عن مستوى الإقبال وحركة البيع كانت إيجابية، وإنْ بنسبٍ متفاوتة.

ليس دقيقا تماما، إذن، أن شيوع الثقافة الرقمية تسببت بمزيدٍ من الازورار عن الكتب ومطالعاتها، بل ربما يمكن الاجتهاد أن مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت، إلى حد ما، في ترويج إصداراتٍ كثيرة، وتسويقها، وجذب جمهورٍ غير محسوب إليها.

ومن الأدعى بدل الانشغال العريض بتعداد ما يمكن أن تكون أسبابا لابتعاد المواطن العربي عن القراءة، وهو الذي تطحنه شواغل تأمين عيشه، وتضغط عليه تداعياتٌ بلا عدد للمستجدّات السياسية، ناهيك عن ظروف التأزم والاحتقان والعنف والحروب في غير بلد عربي، من الأدعى بدل ذلك أن يجري التداول في الوسائل والصيغ التي يمكن أن تساعد على تيسير وصول الكتاب العربي إلى القرّاء، المتزايدين والباحثين عن إجاباتٍ على أسئلةٍ مقلقةٍ تتعلق براهنهم وماضيهم ومستقبلهم.

من قبيل مبادرات "الكتاب المدعوم" التي تقوم بها وزارات الثقافة وهيئاتٌ حكوميةٌ مختصةٌ في غير بلد عربي، والطبعات المشتركة بين دور نشر عربية، خصوصا بين مصر ولبنان، وبين دور مشرقية وأخرى مغاربية. إلا أن مثل هذه المبادرات المحمودة لن تكون بديلا عن وجوب التسهيلات المطلوبة التي على السلطات المعنية أن تيسّرها لصناعة الكتاب العربي، وتأمين توزيعه، وإيصاله إلى قارئه، بأسعار في وسعه أن يحتملها، ولاتحاد الناشرين العرب توصياتٌ غير قليلة في هذا الخصوص، صدرت عنه في اجتماعات متوالية.

هناك دور نشرٍ عربيةٍ تعتبر ارتفاع أسعار إصداراتها ميزةً لا تتساهل بشأنها، سيما وأن هذه الإصدارات، في غالبها، نوعية. وفي المقابل، تولي دور أخرى القرّاء الزبائن انتباها إلى ظروفهم، وتحاول الموازنة في معادلة الإفادة والاستفادة.

وفي الوسع أن يتفهّم واحدُنا التباينات في "مدارس" البيع والشراء، غير أن من العسير أن يتفهّم التناقض المريع الذي أحدثته الحكومة الأردنية بين ما تذيعه عن حرصها على تنشيط سبل الثقافة العامة للمواطنين وفرض ضريبة مبيعاتٍ بنسبة 10% على الكتاب، في خطوة غير مسبوقة، أثارت حنق العاملين في صناعة الكتاب وتوزيعه، وكذلك جمهرة القراء وطلاب الجامعات والدارسين. وهذا مستجدٌّ سيُضاف، طبعا، إلى ما تُساق من أسباب "انحسار" القراءة، وهو انحسارٌ غير مؤكّد، في الأردن وغيره، بدلائل غير قليلة، منها الأخبار الطيبة التي ذاعت، أخيرا، عن معرض القاهرة الدولي للكتاب.



جميع الحقوق محفوظة 20152018 سما برس - الرئيسية