استاذ/خليل العناني

تجريم الإضراب في مصر


بقلم/ استاذ/خليل العناني
نشر منذ: سنتين و 8 أشهر و 18 يوماً
الجمعة 01 مايو 2015 11:26 م




قبل يومين، أصدرت المحكمة الإدارية العليا في مصر حكما نهائياً بإحالة الموظفين العموميين إلى المعاش، في حالة الإضراب، أو الاعتصام داخل منشآت العمل. وجاء في حيثيات حكم المحكمة أنها "استندت إلى أحكام الشريعة الإسلامية، وفقا لقاعدة درء المفاسد، المقدم على جلب المنافع". وبالتالي، يؤدي الإضراب إلى إلحاق الضرر بالمتعاملين مع المرفق العام، وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية. بل الأدهي أن المحكمة رأت أن "الإضراب يخالف الفقه الإسلامي ومقاصد الشريعة الإسلامية، واعتبرت إضراب الموظفين جريمة وطاعة الرؤساء في العمل واجبة". دعك من أن هذا الحكم ينطوي على مخالفة دستورية واضحة، ويعد نقضا لكل المواثيق والمعاهدات الدولية التي وقعتها مصر في ما يخص قوانين العمل والحق في الإضراب، وإنما ما يثير الدهشة والاستغراب التفسير العجيب للحكم والذي أقحم "الشريعة"، بدون وجه حق، في تبرير هذه الجريمة الإدارية التي تحرم العمال من أحد أهم حقوقهم، وهو الحق في الإضراب. وعندما تقرأ حيثيات الحكم، تشعر وكأنك في دولة تبدو كما لو كانت تطبق الشريعة الإسلامية بحذافيرها، وهو أمر أبعد ما يكون عن الصحة. فقد تم اللجوء إلى ذلك ذريعة سياسية واضحة، من أجل تهديد آلاف العمال والموظفين وإرهابهم، لوقف إضرابهم عن العمل، وتجريدهم من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية. والمدهش أن المحكمة استندت، في حكمها، إلى القاعدة الفقهية الخاصة بدرء المفاسد وجلب المنافع، وكأنها ترى في "مصالح" المواطنين مفسدة، وفي سلطوية "رب العمل" وتعسفه مصلحة يجب حمايتها. يعكس حكم المحكمة الانتقائية التي يتم التعامل بها مع مسألة "الدين" والشريعة الإسلامية، وهو ينسف كل دعاوى الجنرال عبد الفتاح السيسي عن "الثورة الدينية" والانفتاح والتسامح التي يقوم بترويجها للغرب. بل إنه يدحض ما قاله السيسي، قبل فترة، فى أحد حواراته للصحافة الأجنبية، بأنه انقلب على مرسي، لأنه كان يسعى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وهو قول فضلاً عن تهافته وانتهازيته، فإن حكم المحكمة يثبت عكسه تماماً. وجاء حكم المحكمة الإدارية في اليوم نفسه الذي كان يحتفل فيه السيسي مع "عماله" بعيد العمال. وكأن المحكمة تحاول مجاملة الجنرال على حساب العمال والموظفين. بل الأكثر أنه يأتي في وقت يسعى فيه الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، والمعروف دائماً بموالاته للسلطة والسعي إلى استرضائها على حساب العمال، إلى استصدار ما يطلق عليه "ميثاق شرف عمالي"، يرفض الإضراب، ويمنع العمال من حقهم الأصيل فيه، وهو ما صرح به رئيس الاتحاد، جبالي المراغي، في أثناء الاحتفالية. وبحسب أحد الصحفيين الذين حضروا الاحتفال، كان المراغي يبالغ في "نفاق" الجنرال السيسي، إلى درجة أنه قال إن "العمال يتعهدون له بوقف الإضراب"، وهو ما دفع هذا الصحفي إلى كتابة مقال عن "فرعنة الرئيس"، بسبب كثرة الهتافات المؤيدة له فى ذلك الاحتفال. يمثل "تجريم الإضراب" في مصر خطوة جديدة على طريق إغلاق كل منافذ الضغط الشعبي والمجتمعي، وقطع الطريق على محاولات الاحتجاج على السلطة القائمة، من أجل استكمل تأميم المجال العام وإغلاقه كلياً. فالنظام الحالي يدرك أن العمال يمثلون إحدى الأوراق المهمة في أي حراك جماهيري وشعبي قد يطيحه. لذا، يسعى إلى محاصرة نشاط العمال وتحركاتهم، ووقفها من المنبع، بالتهديد باستخدام ورقة الإحالة للمعاش. وعلى الرغم من ذلك، كل هذه المحاولات، وبعكس ما يعتقد النظام، سوف تمهد الأرض لحركة جماهيرية كبيرة مشحونة بالكثير من الغضب والرفض لمحاولات خنقها، على غرار ما حدث في أثناء ثورة يناير. ومن يدري، فلعل هذا الحكم قد يمهد الأرض نحو انفجار كبير، يطيح هذا النظام، وبمن يشرّعون له سلطويته واستبداده.


عودة إلى أقلام سماء برس
الأكثر قراءة منذ أسبوع
كاتبة وناشطة يمنية/ بشرى المقطريعاصفة القتل في اليمن
كاتبة وناشطة يمنية/ بشرى المقطري
أقلام سماء برس
الكاتب/معن البياريدهشة الطهطاوي الباقية
الكاتب/معن البياري
الكاتب/بشير البكرقمة قادة الخليج وأوباما
الكاتب/بشير البكر
الكاتب/معن البياريعين على انتخابات بريطانيا
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياريجدل الأمازيغيّة الجزائري
الكاتب/معن البياري
الكاتب/ميشيل كيلوقبل "عاصفة الحزم" وما بعدها
الكاتب/ميشيل كيلو
كاتب/بلال فضلإنهم يكتبونني
كاتب/بلال فضل
مشاهدة المزيد

جميع الحقوق محفوظة 20152018 سما برس - الرئيسية