كاتب/عبد اللطيف السعدون

عن القسمة والتقسيم وشجون عراقية


بقلم/ كاتب/عبد اللطيف السعدون
نشر منذ: 3 سنوات و شهر و 12 يوماً
الخميس 07 مايو 2015 04:40 م


ثمة مقولة، سمعتها من سفير سابق لدولة خليجية، مفادها بأن بلداننا محكومة بقسمة عاثرة، من خلال وجود نفط العالم فيها، مما جعل الغرباء يتقاتلون علينا، ويتوافقون على نهبنا وإذلالنا. تذكرت هذه المقولة، وأنا أتابع الأخبار المتواترة عن قرار الكونغرس الذي رفع حمى "القسمة" والتقسيم للعراق، بعد أن اخترعوا مفهوما جديدا من أجلنا أسموه "توازن القوى"، جرى طبخه على نار هادئة، وخلف أبواب موصدة، بمشاركة لاعبين إقليميين وعراقيين معروفين، وقد أظهر هؤلاء نوعاً من التجاهل لما يجري، حتى ساعة إعلان الكونغرس قراره. وهنا، اختلفت ردود الفعل، بعضهم رحب، وإن على استحياء، وبعضهم استهجن وشجب، وبعضهم صمت، وبدا كما لو أن الكل اكتشفوا للتو أن أميركا تريد تقسيم بلادهم، وأنها لم تكن تسعى إلى ذلك من قبل.

أرجع إلى ما قبل عشرين عاماً، إلى منتصف عام 1996، بعيد انسحاب فرنسا من منطقة الحظر الجوي، التي فرضتها على العراق، بالتواطؤ الشرير مع أميركا وبريطانيا، في حينها التقيت صحافياً فرنسياً على صلة بدوائر القرار في بلده. قال لي إن فرنسا انسحبت من منطقة الحظر، لأنها اكتشفت أن هناك أهدافاً أخرى للحظر، أكبر وأخطر من هدف "حماية الشيعة والأكراد"، أو غيره من الأهداف "الإنسانية" التي تذرعت بها الدول الثلاث، لاستصدار القرار. ولما استوضحته أكثر قال لي "إنكم مقبلون على مؤامرة كبيرة، هدفها تقسيم بلادكم إلى دويلات لقناعة الأميركيين بأن وجود عراق موحد وقوي يشكل خطراً على مصالحهم". وشرح لي كيف أن الحظر المفروض سوف ينعكس على الأرض أيضاً، ولسوف يشرع حدوداً "وهمية" لثلاث دويلات، ولاحقاً سوف تكون هناك إمكانية لتقسيم فعلي، يتيح لكل من الشيعة والسنة والأكراد التصرف بشيء من الاستقلالية والتفرد، وبعيداً عن سلطة الدولة الأم.

لم أكن مقتنعاً بنظرية المؤامرة، لكنني قررت أن أوصل إلى صانع القرار العراقي، بطريقة أو بأخرى، حكاية الصحافي الفرنسي المطلع، وكان في ذهني أن في وسع العراق أن يجهض ما كان مدبراً ضده، بخطوة شجاعة واحدة، هي الاعتراف بخطيئة غزو الكويت، والاعتذار عنها، تلك "الخطيئة" الاستراتيجية التي قصمت ظهر العراق، وكسرت سيفه، ودفعت بخصومه للتفكير في وضعه عملياً على طريق التقسيم، لعل تلك الخطوة تساهم في عودته إلى الحضن العربي، بما يشكل واحدة من ضماناتٍ يمكن أن تقيه من مخاطر متوقعة. لكن، ظهر لي فيما بعد أن ملاحظتي لم تؤخذ بالاعتبار، وربما اعتبرها صانع القرار نوعاً من الهراء، أو أنها، في أحسن الفروض، لم تتجاوز طاولة المسؤول الذي وضعتها أمامه، ولعله خشي من رفعها إلى الجهات العليا، كي لا يناله غضبها.
لاحقاً، سوف يشرع الأميركيون "قانون تحرير العراق"، بعد أن رسموا خطوطه العريضة، بمعاونة عراقيين عاقين لتربة بلادهم، وسيصير ذلك القانون إنجيلاً لغزو العراق واحتلاله، والشروع بتقسيمه إلى دويلات، وعلى النحو الذي تم بعد إبريل/ نيسان 2003، وسوف يكتب بيتر غالبريث، عضو لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس، والدبلوماسي الأبرز الذي ساهم في هندسة تقسيم يوغوسلافيا، أنه اكتشف مبكراً الغرض من فرض الحظر الجوي على العراق في حينه، فقد "وضع الحظر العراق تحت حالة تقسيم فعلي غير منظور، حيث عمل القادة الكرد على القيام بخطوات عملية، تمهد لإقامة دولة كردية مستقلة في المستقبل، كما نشأت في جنوب البلاد كيانات حزبية سرية، مناوئة لسلطة بغداد، تنتظر الفرصة للانقضاض والانفصال".

ولاحقاً أيضاً سنعرف أن قرار "المحاصصة الطائفية" لمجلس الحكم بعد الاحتلال لم يكن من بنات أفكار بول بريمر، كما يحلو لبعضهم نسبته إليه، اذ هو، في حقيقة الأمر، خطوة مقررة سلفاً في واشنطن، وحصيلة رؤية شريرة لبوش، تقف وراءها شخصيات عراقية، يصفها غالبريث بأنها "فاسدة وانتهازية، مثل أحمد الجلبي وإياد علاوي"، يضيف أن نهاية العراق بعد الغزو أصبحت معروفة، إذ "شرع زعماء الأكراد والشيعة والسنة، بحشد قواهم، وبالعمل على بلورة أوضاعهم باتجاه التقسيم الفعلي، وإقامة دويلاتهم المستقلة".

يقر غالبريث بأن أميركا "دمرت فرصة إعادة بناء بلد موحد، لا وجود لنزاعات عرقية أو طائفية فيه"، إلا أنه يزعم أن التقسيم أصبح الحل السياسي والعملي لعراق اليوم. ترى.. هل بات العراقيون من دون طموح وطني يعيدهم إلى وحدتهم، ويبعد عنهم شر التقسيم؟ أظن أن الأمر لم ينته بعد، إذ مع ارتفاع حمى "القسمة" والتقسيم، يتوجب على العراقيين العاديين، وليس على رجال السلطة والمليشيات المرتهنين لواشنطن أو لطهران، أن يقرروا في ما إذا كانوا يريدون لجمهوريتهم أن تظل "أمنع من عقاب الجو"، كما كان يريدها الزعيم الراحل، عبد الكريم قاسم، أو أن تتحول إلى "جمهورية موز" قابلة للتشظي والانقسام في أي وقت.





جميع الحقوق محفوظة 20152018 سما برس - الرئيسية