استاذ/خليل العناني

إفلاس السلطوية العربية


بقلم/ استاذ/خليل العناني
نشر منذ: سنتين و 4 أشهر و 3 أيام
الثلاثاء 15 سبتمبر-أيلول 2015 05:02 م




على الرغم مما قد يبدو على السطح وكأنه انتصار، فإن السلطويات العربية، بتجلياتها العسكرتارية والطائفية، تعاني من حالة إفلاس كبيرة، وفقدت قدرتها على الإقناع والتأثير. تحاول هذه السلطويات إعادة الروح إلى مشروعها السياسي، وفق قاعدة الاستقرار في مقابل القمع، لكنها تدرك، جيداً، أنه استقرار هش وزائف، قد ينهار في أية لحظة. لذا، كلما تمادت في القمع والإقصاء قلّت قدرتها على تثبيت نفسها وإحياء مشروعها. خذ مثلاً السلطوية العسكرية في مصر، والتي استنفدت معظم قدراتها التعبوية والإقناعية، عبر تصدير مقولاتها المتهافتة حول "هيبة الدولة" و"الحرب على الإرهاب"...إلخ، وقد وصلت إلى مرحلة بائسة من تبرير الفشل الاقتصادي والاجتماعي الذي تواجهه الآن. فقبل عامين، كانت هذه السلطوية نتيجة لعملية الشحن الإعلامي والسياسي، وعطفاً على حالة الفراغ السياسي التي أعقبت إنهاء حكم جماعة الإخوان المسلمين، في أوج شعبيتها وتأثيرها على قطاعات كبيرة من الجمهور الذي كان يبحث عن بديلٍ مؤسسي مقنع. هذه السلطوية، وعلى عكس ما قد يبدو ظاهرياً، تعاني فعلياً من انصراف قطاعاتٍ لا بأس بها من الجمهور عنها وعن خطابها، ووصلت إلى درجة من الفشل وعدم القدرة على الإنجاز. كما يبدو، بوضوح، أن النظام الحالي عاجز عن بناء شرعية حقيقية، يمكنه من خلالها ضمان البقاء. بل على العكس، تشير كل سياساته وتحركاته وقراراته إلى أن ثمة خوفاً كامناً داخل بنيته، تدفعه، بشكل وآخر، إلى إبقاء حالة "العسكرة" والتوتر الراهنة في البلاد.

بكلمات أخرى، يبدو النظام العسكري الحالي في مصر، وعلى عكس ما يرى بعضهم، حريصاً على ألا تفلت الأمور من بين يديه، وعلى إرضاء، وأحيانا استرضاء داعميه ومواليه وشرائهم. فرفع مرتبات لقادة الجيش والشرطة والقضاة، وزيادة المزايا الاجتماعية والاقتصادية لهم، تعكس عدم ثقته بهم من جهة، وعدم رغبته في انصرافهم عنه، وعدم تركه في مواجهة المجهول وحده من جهة أخرى. وهو هنا يقوم بتوريطهم بشكل أو بآخر، من أجل ضمان بقاء ولائهم له ولسياساته ومنطقه. يدور النظام في فلك الرؤى والسياسات والاختيارات القديمة، وليست لديه قدرة على إبداع أدوات سلطوية جديدة. وما حدث، أخيراً، من مسرحية كشف الفساد ومحاربته دليل واضح على حالة التسيب والتدهور التي يتمتع بها هذا النظام، ليس فقط بين خصومه، وإنما بالأساس بين مؤيديه الذين، وللمفارقة، يستشعرون عدم الأمان والقدرة على البقاء في ظل حماية هذا النظام وتحتها.

أعتقد أن نهاية هذا النظام الحالي في مصر مسألة وقت، على الرغم من حالة التشاؤم التي 
تسيطر على كثيرين. فالمشكلات الهيكلية والتناقضات البنيوية داخل هذا النظام لا يمكن تجاهلها أو إنكارها. وهي المشاكل والتناقضات نفسها التي أطاحت حسني مبارك قبل أربع سنوات. وهي تناقضات تقع في قلب النظام وعلاقته بالمجتمع، والتي جعلته تحت الضغط المستمر الذي لن يتوقف إلا بتقديم تنازلات حقيقية، يمكنها أن تحفظ بقاءه، وتضمن عدم تعرضه لضربة عنيفة، على غرار ما حدث لأنظمة ما قبل انقلاب الثالث من يوليو 2013. وما يفعله هذا النظام من محاولات لامتصاص حالة الغضب المتراكمة من خلال فتح ملفات الفساد، وإنْ شكلياً، ليست سوى مؤشر على استشعاره مخاطر الاستمرار في نهجه القائم. 

خذ أيضا النظام الطائفي في العراق ولبنان اللذين يقعان، الآن، تحت ضغط شعبي كبير، لن يتوقف قبل تقديم تنازلات حقيقية لإسكات الشارع واحتوائه، فلو أن لدى هذا النظام الحد الأدنى من الثقة لن يلتفت لهذا الضغط، وهو ما لا يبدو متحققاً حتى الآن. فالتظاهرات والاعتصامات التي تنتشر في البلدين تكشف انهيار القدرات السياسية والإقناعية لنظاميهما السياسي، وفشلهما في تحقيق الحد الأدنى من الرضا الذي يضمن استمراريتهما. 
صحيح أن المعارضة العربية الكلاسيكية تبدو متشرذمة ومنقسمة، بل ومتخاصمة وأحياناً يائسة، إلا أن مصدر الخطر الحقيقي على الأنظمة الحالية، وذلك مثلما جسدته موجة الربيع العربي، ينبع بالأساس من أزمتها الداخلية التي تحاول مداراتها بكل الطرق، والتعمية عليها، حتى لا تنكشف وتتضح عورتها السياسية. وإذا كان من نافلة القول إنه لا مستقبل للسلطوية العربية بدون دفع ثمن كبير لذلك، فإن من نافلة القول، أيضاً، إنه لا مستقبل للقوى والحركات والتنظيمات التي تتصارع فيما بينها بضراوة، وذلك ما لم تتفق على أجندة اقتصادية واجتماعية مشتركة. 

ما فعلته الموجة الأولى للربيع العربي أنها ألقت حجراً كبيراً من ماء السياسة العربية الراكد منذ سنوات طويلة، ولا تزال تفاعلات هذه الموجة قائمة، وإن خفتت بشكل أو بآخر، أو اتخذت أشكالاً أخرى، ولن تتوقف هذه التفاعلات حتى تصل إلى مبتغاها، مهما فعل الطغاة والمستبدون.


عودة إلى أقلام سماء برس
الأكثر قراءة منذ أسبوع
كاتبة وناشطة يمنية/ بشرى المقطريعاصفة القتل في اليمن
كاتبة وناشطة يمنية/ بشرى المقطري
أقلام سماء برس
كاتبة/فاطمة ياسينروسيا و"سورية المجدية"
كاتبة/فاطمة ياسين
الكاتب/بشير البكرداعش ورقة إيران الثمينة
الكاتب/بشير البكر
كاتب/عبد اللطيف السعدونكلام عراقي خارج النص
كاتب/عبد اللطيف السعدون
مشاهدة المزيد

جميع الحقوق محفوظة 20152018 سما برس - الرئيسية