الكاتب/معن البياري

الإقامة في موزمبيق


بقلم/ الكاتب/معن البياري
نشر منذ: سنتين و شهرين و 8 أيام
السبت 10 أكتوبر-تشرين الأول 2015 07:00 م




لم أصادف، في حياتي، أحداً زار موزمبيق أو أقام فيها، ولم أطالع يوماً عنها كتاباً، ولا حتى مقالةً أو دراسة. وأظنني، في جهلي العتيد بشأن هذا البلد الإفريقي الذي عرفت للتو أن البرتغاليين استعمروه أربعة قرون ونصف (فقط!)، كما أترابي العرب العاملين في الصحافة والثقافة. ومقصد الجهر، هنا، بهذا الأمر، أن يسبق سؤالاً ضغط على خواطري بإلحاح، عن السبب الذي يجعل كاتباً ثريّاً، ينتسبُ إلى بلدٍ مترفٍ ومتقدمٍ صناعياً، ومن أكثر بلدان العالم في الرفاه الاجتماعي، يقيم طويلاً في موزمبيق، إحدى أكثر الدول فقراً، والتي أزهقت حربٌ أهلية فيها أرواح مليونٍ من أهلها. يتعلق هذا السؤال بالروائي والمسرحي والقاص والسينمائي، السويدي هنينغ مانكل، ومناسبته استعادة الصحافة، أخيراً، سيرة هذا الكاتب الكبير، بعد وفاته الاثنين الماضي، وهو الذي اشتُهر عربياً بنصرته فلسطين وشعبها، وزيارته غزة مرات، ومشاركته في رحلة سفينة كسر الحصار عن القطاع التي تعرّضت في العام 2010 إلى الاعتداء الإسرائيلي الذي قضى فيه تسعة أتراك، وأصيب في أثنائه مانكل. كان يقول إنه يزور غزة المحاصرة ليزاول إنسانيته. وقد وصف إسرائيل بأنها نظام فصلٍ عنصري، وكان يقول، أيضاً، إن عمره هو عمر نكبة فلسطين (مواليد 1948).

بيعت أربعون مليون نسخة من روايات مانكل وكتبه ومسرحياته، وهي نحو أربعين، وترجم كثير منها إلى لغاتٍ عديدة (نُقلت أربعة منها إلى العربية). وتنتسب معظم نصوصه إلى الأدب البوليسي. وقد تسنَّت له، في بلاده، أسبابٌ غزيرة من رغد العيش وهناءته، غير أن سموّاً إنسانياً رهيفاً ونادراً، يفيض بالرسولية والملائكية، وبالنبل والرفعة، جعله يحدّق كثيراً في مظالم الشعوب، فنشط في مناهضة حرب فيتنام، في شبابه، وفي مناوأة التمييز العنصري في جنوب إفريقيا، والتفت إلى الفلسطينيين، وإلى الأفارقة المنهكين بالتجويع والفقر والأوبئة والصراعات الأهلية، وجال في بعض بلدانهم، غير أنه انجذب، بشكل خاص، إلى موزمبيق، لسببٍ لا أعرفه، فأسس مسرحاً في عاصمتها وأداره، وتبرّع (وزوجته) لأطفال إحدى قراها بمليون ونصف مليون يورو، وصار يوزّع إقامته بين بلده الأوروبي الذي يرفل بالرقي والوداعة وموزمبيق (24 مليون نسمة) التي يمكث أغلب مواطنيها تحت مستوى خط الفقر.


لسنا أمام نموذج أخلاقي تقليدي، ذي نزوعٍ إنسانيٍّ وكفى. كلا، فالتضامن، في عرف هنينغ مانكل، فعلٌ وليس كلاماً. وقد زاول قناعته هذه، في عملٍ منظور، وبمواظبةٍ تُحيّرك من أيِّ معادن البشر كان هذا الكاتب الذي انقطع للكتابة والإنجاز الإبداعي والفني مقروناً بانخراطٍ ميدانيٍّ في مناهضة العسف في أيّ مطرحٍ كان. لذلك، انسجمت مطالبته بعقوباتٍ دوليةٍ على إسرائيل، تماماً، مع نشاطه، في زمنٍ مضى، من أجل إنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. وقد توفي، وهو على قناعته بأن نهاية الاحتلال في فلسطين مؤكدة، كما انتهى ذلك النظام، وبأن مصير الجدار الإسرائيلي في فلسطين سيكون كما مصير جدار برلين. أما موزمبيق فقد رآها بلداً غنيّاً، وأصبحت فقيرةً لأن حرباً مجنونةً اندلعت فيها، بعد أن شجّع العنصريون أهلها على القتال فيما بينهم، لمّا كانوا يزوّدونهم بالسلاح في أثناء حربهم الأهلية التي استمرت نحو عشرين عاماً، وبدا أنها كانت تنتظر رحيل المستعمر البرتغالي، في العام 1975، حتى تشتعل.


تيسّرت بالعربية رواية الكاتب الراحل للفتيان، "سر النار"، عن أحوال موزمبيق التعيسة. بناها من سيرة فتاةٍ موزمبيقية، بترت الألغام ساقيها، وهي التي كانت كثيراً ما تجري في العتمة على غير هدى. وتيسّرت بالعربية مسرحيته "الظباء"، وفيها ناس موزمبيق الذين لا يقدّم لهم الغرب مساعداته لكي يعيشوا، بل ليظلّ الفساد باهظ الحضور في بلدهم، وليبقى سوء التغذية، وكذلك الجهل والديون والأوبئة والفقر... كان هنينغ مانكل هناك، وشاهد هذا كله وغيره، قبل أن تعتم عيناه، ويرحل.


جميع الحقوق محفوظة © 2013-2017 سما برس - الرئيسية