كاتب/أحمد عمر

إعلاميو أحواض الزينة


بقلم/ كاتب/أحمد عمر
نشر منذ: سنتين و 6 أشهر و 28 يوماً
الخميس 19 نوفمبر-تشرين الثاني 2015 11:03 م


زرتُ الحجي، أخيراً، بمناسبة عودته من الحج. رأيت في طريقي شعار "رابعة" على بعض السيارات، فالأتراك المناصرون لحزب العدالة والتنمية كثيرون، وبعضهم يرفع علم "رابعة" على شرفة منزله رايةً. كان قد تعشى لتوه عشاءً دسماً وقدّرت بحاسة شمِّ أبو كلبشة التي لا تخطئ، أنّه تعشى عشاء تقليدياً كردياً، هو البرغل اللامع في أصداف السمن مع قطع اللحم المعذب على النار في بحيرة المرق.
أهداني من متاع الأرض المقدسة سجادةً رقيقةً، يمكن طيّها في الجيب، وحقَّ مسكٍ صغيراً على هيئة إصبع طفل، وكوبَ ماء زمزم وسبحةَ المائة حبة.
أمر بشاي لي، فجاؤوا لي بكوب وحيد، مسكين، يتيم. نحن، في ديارنا، نضع الإبريق أمام الضيف، وغالباً مع بعض المكسرات أو المخبوزات الحلوة. طلبت من الحجي أن يشغّل لنا البلورة السحرية، والفضائيات التركية تبثُّ الجزيرة. كان الخبر حول كوارث عبد الفتاح السيسي وإنجازاته المشؤومة. ظهر أوميغا وسيماً جذاباً يذوب المرء عشقاً فيه، فسألني: هل هذا هو تبع مصر؟
طلب مني أن أترجمه له، فأخرجت هاتفي، ولخصت له السيسي في صور متضادة على صفحتي. صوّرته مرؤوساً وصوّرته رئيساً؛ مشهده وهو في حضرة رؤسائه الغربيين، ومشهده وهو يترأس شعبه المغرّب. كانت الصورة الأولى له، وهو ضابط يقدم التحية للرئيس المخلوع، حسني مبارك، ويظهر فيها منضبطاً مشدوداً قوساً ستطلق سهماً، بالزيِّ العسكري، مثل توم الكرتوني في أحد أفلامه مع جيري. ثم صورته مطأطئاً أمام رئيسه فلاديمير بوتين، وهو يشبه الخادم في الأفلام الهندية، ومشهده أمام ديفيد كاميرون، خجولا مثل تلميذ ستطلب منه معلمته إحضار الطباشير من الصف المجاور، ثم صورته أمام شعبه يتهدد، ويتوعد، ويطلب نصبَ المشانق وإطلاق يد العدالة المغلولة، فيضحك الحجي، ويتجشأ، فأتذكّر البرغل ورائحة اللحم المتسربة من تحت الباب. الحجي قليل الضحك، الضحك يذهب المهابة. أخرجت له صورة حافظ الأسد وهو ينحني لهنري كيسنجر من ذاكرة الهاتف، فقال: ذكّرتني بذلك الطير الشهير الذي تغتصبه الطيور كلها، وعندما يعود إلى البيت يقوم بالفعل الشائن نفسه مع... أولاده، والعياذ بالله.
يقلّب النظر بين التلفزيون وحوض الحيتان، فيفضل الأخيَر ويشرح وظيفة نونٍ صغير، بحجم عقلة إصبع الطفل، لا يكفُّ عن لحسِ جدران الحوض. هذا هو السمك الزبّال، عمله أكل فضلات الأسماك الكبيرة . اتصلت "الجزيرة" بمحلل سياسي مناصر للسيسي من واشنطن، فانهمك في تبرير تدمير مدن سيناء، وتهجير أهلها حفاظاً على أمن مصر القومي. سألني: من هذا "الكائن"؟
شرحت: حجّي.. الإعلام العربي يشبه هذا الحوض، وإعلاميو الأنظمة يشبهون هذا الحوت الزبّال اللحّاس لفضلات الزعيم.
تابعت: تحدث انفجارات وكوارث في البلد، فتتجه كاميرا الإعلام الرسمي، والوصيف، إلى أحواض سمك الزينة وحدائق الحيوان والمناظر الخلابة في اللاذقية أو شرم الشيخ، وإذا أخطأ الزعيم، وزلَّ لسانه بحقيقته، كأن يجدّف، أو يكفر بالوطن، ويقول إنّ الجنسية ليست لمن يحمل الجواز السوري، إنما هي لمن يدافع عنه؛ خرج النون الإعلامي الكناس اللحّاس، وزعم أنّ كفر الرئيس هو من شدة الإيمان، وأنّ الكلام حرّف عن موضعه، وإنها مؤامرة على الرئيس، وهي كونية غالباً.
تفّ الحجي على المحلل السياسي، وأمر لي بكوب ثان، طلبت منه أن يزيد السكر فيه. عاد إلى حوض المسك تملياً، وربما اشتهاءً للسباحة معها. كدت أنزلق، فأطلب منسف البرغل واللحم، الذي هبّت رائحته الشهيّة، مع فتح الصبي الباب.




جميع الحقوق محفوظة 20152018 سما برس - الرئيسية