كاتب/عبد اللطيف السعدون

عن أطفال عراقيين ماتوا حرقاً


بقلم/ كاتب/عبد اللطيف السعدون
نشر منذ: سنة و 9 أشهر و 30 يوماً
الخميس 18 أغسطس-آب 2016 07:39 م


ليس ثمة شطط في أن نستذكر إجابة مادلين أولبرايت، على سؤالها في مقابلة مع تلفزيون "بي سي أس" الأميركي عام 1996، عما إذا كان موت نصف مليون طفل ثمناً مستحقاً لاستمرار العقوبات على العراق، إن ذلك "قد يكون خياراً صعباً، لكننا نعتقد أن النتيجة المرجوة تجعل هذا الثمن مرضياً". وليس ثمّة شطط أيضاً أن نتوقع من مسؤولين عراقيين حاليين أن يعتبروا مصرع الأطفال الاثني عشر حرقاً في واقعة مستشفى اليرموك، أخيراً، مجرد إضافة بسيطة إلى ما حسبته أولبرايت استحقاقاً عادياً لعملية "تحرير" العراق. وقد حمدنا لوزيرة الصحة إقرارها بمسؤوليتها عن الواقعة، وتقديمها استقالتها عبر التلفزيون، لإنقاذ هيبة الحكومة (هل بقيت للحكومة هيبة فعلاً؟) لولا أنها عادت فتراجعت، وراحت تتذاكى، ملقيةً اللوم على "الكهرباء"، وعلى موظفين صغار مهملين، مع أن تقارير موثقة، دللت على أن الحريق تم بفعل فاعل في إطار صراعاتٍ حزبيةٍ داخل أروقة الوزارة. ولم تكلف الوزيرة نفسها سابقاً عناء التدقيق في وقائع مشابهة، بدت ملتبسةً، تحدثت عنها وسائل تواصل اجتماعي، مثل حادثة اختطاف أطفال حديثي ولادة من المستشفى نفسها وتغييبهم، وهي أيضاً لم تجد أمراً غريباً، على ما يبدو، في ظهور صراصير خارجة من شقوق البلاط المكسور في المستشفى نفسها، ووجود صناديق قمامة فائضة بمحتوياتها، ومراحيض قذرة تحول أي مركز للرعاية الصحية إلى مركز لإنتاج البكتيريا والفيروسات، ونشرها على نطاق واسع.
حمدنا أيضاً البرلمانيين، وهم وسط العاصفة الهوجاء التي أثارتها اتهامات وزير الدفاع لبعضهم بالفساد، سؤالهم عن واقعة الأطفال الذين ماتوا حرقاً، وإبداءهم الأسف لما حدث (هل يفيد الأسف الأمهات المفجوعات بأطفالهن؟) لولا أنهم اكتفوا بالسؤال، ولم يظهروا متابعةً جديةً له، وفي حسبانهم أنهم، وهم ممثلو الشعب، يخلون بذلك طرفهم مما جرى ويجري في هذا القطاع أو ذاك.
ربما كانت المنظمات المعنية بشؤون الأمومة والطفولة، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) أحق بالحمد والشكر، وقد وثقت في تقارير دورية ما عاناه أطفال العراق على امتداد السنوات العجاف التي أعقبت (التحرير) من بشاعاتٍ لم تتوقف يوماً، ودعمت ذلك بأرقام ووقائع ثابتة الدلالة، وإن استحقت المنظمة اللوم والعتاب، في حالاتٍ عديدة تقاعست فيها عن تشخيص الفاعلين وإدانتهم، وهم معروفون، وكأن كل ما حدث تم مصادفةً أو بفعل قدر غاشم.
وأظهرت تقارير "يونيسيف" العراق "واحداً من أخطر الأماكن في العالم بالنسبة للأطفال"، إذ إن واحداً من كل خمسة أطفال معرّض لخطر الموت أو الإصابة، أو التعرّض للعنف الجنسي أو الاختطاف أو التجنيد من المليشيات والعصابات المسلحة. كما أظهرت المنظمة الأممية تفوّق العراق في معدل اختطاف الأطفال على دولٍ عديدة، تتسع فيها مديات العنف والجريمة، إذ يخطف أكثر من خمسين طفلاً في الشهر الواحد، بهدف المساومة على مصيرهم، وابتزاز ذويهم وطلب فدية مالية عن إطلاق سراحهم، أو إنهاء حياتهم. في هذا المآل أيضاً، يضع مؤشر دول العالم لحقوق الطفل العراق في ذيل قائمته السنوية، مثبتاً أن ما يقرب من أربعة ملايين طفل، أي ما يساوي ربع عدد الأطفال الكلي، يواجهون مخاطر وانتكاسات، ولا تتوفر لهم مقومات الحياة الطبيعية، وقد يفقد معظمهم فرص تعليمهم، بسبب انخراطهم في أسواق العمالة المتدنية، على الرغم من صغر أعمارهم، لحاجة أسرهم إلى المال، كما يتعرض كثير منهم لشتى الانحرافات السلوكية والأمراض الجسدية.
تلك بعض حقائق بسيطة، لكنها دامغة، لم يعد ممكناً تجاهلها أو تغييبها، وإذا كانت "المحرقة" الأخيرة قد عرّت بؤس ما يقال إن في العراق "دولة" تحمي أبناءها، فإن هذه الحقائق تكذب هذا الادعاء، طارحة أمام الملأ الحقيقة الأكبر: أننا أمام "مافيا" تقتل وتحرق وتختطف وتغيّب وتفتك، ولا من رقابة أو حساب. وفي مواجهة "سيناريوهات" كهذه: ماذا على أمهات الأطفال اللواتي فجعن بأطفالهن أن يعملن؟
فقدت أم لطفلين أحدهما في تلك التراجيديا، قالت على التلفزيون: لا أريد العيش في بلد كهذا، بعد أن فقدت طفلي، وإذا فرضت علي الحياة فيه سوف لن أجيء بطفلي الآخر إلى مستشفى بعد اليوم، إذا ما مرض، الأفضل لي وله أن يموت في منزلي وبين يدي.




جميع الحقوق محفوظة 20152018 سما برس - الرئيسية