يحدث في العراق فقط
كاتب/عبد اللطيف السعدون
كاتب/عبد اللطيف السعدون
لم يكن فيكتور هوغو ليتخيل أن بطله، جان فالجان، سيبعث حياً بعد أكثر من مئة وخمسين عاماً في بلاد ما بين النهرين، وأنه، في هذه المرة، سيودع السجن، لإقدامه على سرقة علب مناديل ورقية، ليشتري بها ما يقيم أود أسرته النازحة من الأنبار الى جنوب البلاد، بعد أن سرق "اللصوص الكبار" الأموال المخصصة لمساعدة النازحين والمهجّرين، ولم يعد في الإمكان توفير المأوى والطعام لهم. ولسوف يزعم القاضي أنّه طبق القانون في ادانة الطفل وتجريمه، بعد أن ضبط بالجرم المشهود، وأن في وسع الطفل تمييز القرار إن شاء، والعفو عنه لا يتم إلا بمرسوم رئاسي (!).
يستطيع القاضي أن يقول أيضا إنه هو نفسه الذي كان قد حاكم وزيراً سابقاً على خلفية سرقة أموال البطاقة التموينية التي قدّرت بمليارات الدولارات، وحكم ببراءته، وما لبث الوزير أن هرب إلى لندن، وسعى إلى شراء ناد بريطاني، وأبطل القضاء البريطاني الصفقة، لقناعته بأن العملية "تبييض أموال"، لكن القاضي العراقي لم يجد سنداً قانونيا لتجريم الوزير.
في وسع القضاء العراقي، أيضاً، أن يبرّر "قانونياً" قناعته في عدم توفر أدلة لتجريم رأس فساد آخر، وأن يحسم الأمر في جلسة استماعٍ لم تستغرق سوى نصف ساعة، دفعت رئيس الوزراء، حيدر العبادي، نفسه لوصف القرار بأنه "متسرّع"، وفي وسعه أن يعتبر اعتراف برلماني معروف، عبر التلفزيون، بتقاضيه عمولاتٍ بملايين الدولارات، وكذا إقرار برلمانية معروفة، وفي التلفزيون أيضا، بأنها شاركت في اقتسام "الكعكة"، وحصلت على عقود ومقاولات وعمولات، من قبيل الاعتراف الذي يلغي الذنب المرتكب ويكفر عنه.
وفي وسعه أيضا أن يفتي بأن لا جريمة في الأمر، إذا ما فتحت مليشيا معينة سجناً خاصاً بها، تعتقل فيه من تراه خصماً لها، أو إذا ما هدّدت بضرب دولةٍ مجاورةٍ، إذا لم ترق لها بعض إجراءات تلك الدولة في التعامل مع مواطنيها. وفي وسعه أن يعيد ما قاله لنا إن عسكريين، برتب دنيا، هم الذين تسببوا في هزيمة الجيش في الموصل، وسيطرة "داعش" عليها في ساعات، وأن القانون لا يرتب مسؤوليةً ما على القائد العام للقوات المسلحة، أو على قيادات عسكرية عليا في ذلك.
والبرلمان الذي يُقال عنه إنه ممثل الشعب، باستطاعته هو الآخر، أن يعتبر انهيار الجيش في واقعة الموصل، وهروب القادة والآمرين قبل الجنود، والتخلي عن العربات والأسلحة، خطأ بسيطا لا يستوجب المساءلة. وله أيضا أن ينظر إلى واقعة تسليم الموصل إلى "داعش" على أنها حادث عرضي، يمكن أن يقع في أي دولة.
كما يمكنه في ظل "العملية السياسية" الطائفية الماثلة أن يرد ضابطاً عسكرياً برتبة وزير يحمل في جنباته مشروع "إنقاذ" لبلاده، أراد الانتصار لجموع فقراء ومحرومين، وحاول أن يحارب الفساد "بالممكنات"، بحسب ما قال. وتصور أن الكلام داخل قاعة البرلمان واحدةٌ من تلك "الممكنات" التي أرادها، فأطلق صرخته من هناك بوجه "الفساد والمفسدين الذين تسببوا في تشريد الملايين، وخسارة الوطن أربعين بالمئة من أراضيه"، لكن البرلمان أثبت للوزير الذي جرؤ على الكلام، ولكل من تسوّل له نفسه الطعن في رجال "العملية السياسية"، أن "أرباب الفساد أقوى، وصوتهم أعلى وفعلهم أمضى"، وتمكن أن يقيل الوزير، وأن يرغمه على الانسحاب من الميدان، وإنْ إلى حين.
يمكن أيضا للمراجع الدينية التي تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، أن تعتبر الحديث عن أخطاء وخطايا يرتكبها رجال "العملية السياسية" نوعاً من اللغو الذي لا فائدة من الالتفات إليه.
ويمكن لواشنطن أن تعتبر كل ما حدث ويحدث من مكملات "الديمقراطية" التي تريد زرعها في بلداننا، فيما يمكن لطهران أن تعتبر ذلك إقراراً بأن الخيوط كلها لابد من أن تلتقي عندها في النهاية.
يحدث هذا كله في العراق، منذ ثلاث عشرة سنة عجفاء، وبنجاح تام، وهو غيضٌ من فيض، حكايات تنبئنا أن البلوى أصبحت أكبر وأشد من أن تحتمل، وإن كان، في بعض جوانبها، ما يثير الضحك، بقدر ما يستدعي من البكاء، على بلد عمره خمسة آلاف عام، في طريقه إلى الموت. وفي هذه الحكايات بعضٌ قليل مما يعرف، إذ "ليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يقال حضر أهله، وليس كل ما حضر أهله حان وقته، وليس كل ما حان وقته صحّ قوله".

في الأربعاء 31 أغسطس-آب 2016 08:19:37 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
https://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://samapress.net/articles.php?id=1006