في الطريق إلى "كيب هاترز"
استاذ/خليل العناني
استاذ/خليل العناني
أعددنا الحقائب ليلاً، استعداداً للانطلاق صباحاً في رحلةٍ كان مخططاً لها أن تستمر أربع ليال، وصفها صديق أسواني، عاشق للرحلات والتخييم، بأنها ستكون "رحلةً لا تنسى". وبالفعل، كانت رحلة غير عادية. ولكن، لأسبابٍ غير التي ذكرها صديقنا. كانت هي المرة الأولى التي تسافر فيها الأسرة خارج ولاية فرجينيا التي انتقلنا إليها قبل ثلاث سنوات، بعد مغادرة الوطن، محملين بأحزان السياسة، وما جرّته من مآسٍ إنسانية، كان من الصعب احتمالها من دون اللحاق بها. كانت وجهتنا إلى إحدى الجزر الرابضة في بداية لسانٍ أرضيٍّ، يمتد داخل الجانب الغربي للمحيط الأطلسي حوالي ثمانين كيلو مترا. ولذا سُميت "كيب هاترز" أو "رأس هاترز". وهي من أوائل الجزر التي اكتشفها الرحالة الإنجليز منتصف القرن السادس عشر، في أثناء بحثهم عن العالم الجديد أو "الفردوس الأرضي". ويُقال إنهم اعتقلوا أحد سكان الجزيرة الأصليين، وكان اسمه مانتو، وأخذوه إلى إنجلترا، كي يدلهم علي خرائط الجزيرة "المفقودة"، قبل أن يعودوا إليها فاتحين، في رحلة استكشافية جديدة وأخيرة عام 1587.
تبلغ المسافة من شمال فرجينيا، حيث إقامة العائلة، إلى جزيرة كيب هاترز، حوالي 450 كيلو متراً، تقطعها السيارة في حوالي ست ساعات. وللوصول إليها، لابد من المرور على ولاية نورث كارولينا (أو كارولينا الشمالية تمييزاً لها عن الجنوبية)، وهي إحدى ولايات الجنوب الأميركي التي كانت تعتمد على نظام العبودية، وترفض الاندماج مع الشمال الذي ألغى نظام العبودية، وكان ذلك سبباً في اندلاع الحرب الأهلية الأميركية منتصف القرن التاسع عشر. لذا، لم يكن غريباً، ونحن نمر بالولاية، أن نلمح كثيراً من البيوت المنفصلة، ذات الشرفات الواسعة، والتي تقع ضمن حيز كبير من الأراضي الزراعية التي كان يعمل فيها العبيد، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
توقفنا لاستراحة قصيرة علي الطريق، وجذبتنا لافتات المحال الأهلية التي تبيع فواكه وخضروات طازجة، مثلما هي الحال في بلادنا العربية، خصوصاً في المحافظات الزراعية. كانت وقفتنا عند أحد هذه المحال. اشترينا ما راق النفس من الفاكهة والخضروات. وبينما أدير محرّك السيارة للانطلاق، واستكمال رحلتنا إلى "كيب هاترز"، سألني ابني ذو الإثني عشر ربيعاً عن العلم المنتصب إلى جوار العلم الأميركي، خارج المحل الذي تركناه للتو، والذي لم ألتفت إليه قبل النزول. وكانت المفاجأة أنه علم إسرائيل، ما ألجمني وزوجتي عن الكلام لثوانٍ، قبل أن أجيب عن سؤال الابن. أعدت تفحّص المكان، لأجد لافتةً جانبيةً كُتب عليها "هذه المنتجات لدعم الصداقة الأميركية - الإسرائيلية". كان التوقف للاستراحة، وما حدث فيها نقطة تحول في المزاج العام للرحلة، ذلك أن قراراً بعدم الحديث في السياسة تم اتخاذه قبل بدء الإجازة الصيفية. ولكن، ما العمل؟ وكيف يمكن الهروب من أسئلة الأطفال الملحّة، خصوصاً بشأن مسألة مهمة، كعلاقة أميركا بإسرائيل؟ لذا، كان قرار إعادة المشتريات إلى صاحبها هو الإجابة الوحيدة المقنعة على سؤال الابن. ساد الصمت الجميع، ولم يخرجنا منه سوى المرور على النصب التذكاري للأخوين أورفيل وبلير رايت أو Wright Brothers اللذين اخترعا أول طائرة، وقاما بأول تجربة طيران عام 1903، وفتحت الباب واسعاً أمام واحد من أهم إنجازات العقل البشري في القرن العشرين. وصلنا إلى مشارف "كيب هاترز" قبل الغروب بقليل، وقد نال منا الأرق والتعب مبلغه، قبل أن تستقبلنا الطبيعة بعاصفةٍ رعديةٍ وبرقٍ وأمطارٍ تنهمر كشلالات نياغرا، لم تتوقف حتى وصلنا إلى باب المخيّم الذي كنا نقصده، في رحلةٍ مرت ليلتها الأولى كمشهد صغير من فيلم "تويستر" الذي أنتجه المخرج الأميركي ستيفن سبيلبيرغ عام 1996.


في الجمعة 02 سبتمبر-أيلول 2016 08:56:42 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1012