هذه البذاءة في مصر
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري
خرج أمين عام منظمة التعاون الإسلامي، إياد مدني، عن المعهود الدبلوماسي، عندما أطلق مزحته، العفوية، بشأن ثلاجة عبد الفتاح السيسي، في محفل عربي إسلامي في تونس، ولم تتضمن أي إساءةٍ إلى مصر وشعبها. وبعيداً عن اعتذاره اللاحق، والذي أغدق فيه على السيسي مدائح مفرطةً لا يستحقّ شيئاً منها، يسّرت الواقعة مناسبةً جديدةً لاكتشاف مقادير مهولة من البؤس والتردّي في خطابٍ إعلامي واسع في مصر، يُشهره صحافيون ومشتغلون في الجرائد والفضائيات هناك. لم يتم التطاول على مدني والتجرؤ عليه بقلة أدبٍ ظاهرة فحسب، وإنما ذهب بعض أصحاب هذا الخطاب أيضاً إلى "تعيير" الرجل بسعوديّته، وببداوته التي ما كان له، ولعموم بني جلدته، أن يتجاوزوها، لولا أن مصر هي التي نهضت ببلده، وبالتعليم فيها، على ما أباح هؤلاء لأنفسهم القول. وبواعث الخطورة في هذه البذاءة، المتفشّية في كثيرٍ من الإعلام المصري، أنها تصدرُ عن "تورّم" مرَضيّ في هذا الإعلام، ولدى عديدين من القائمين عليه، والعاملين فيه، من المسوَّغ أن نخاف من تأثيراته الخطيرة، إذ يتوجّه إلى عموم المصريين البسطاء، ويتم استثمار "السوشيال ميديا" في ترويج هذا الأمر المقيت. 
مفزعٌ أن يصل الولع بالسيسي، عند أصحاب هذا الكلام، إلى حد اعتبار المذكور رمز مصر والمصريين، وكأن الهزء منه استهداف يحطّ من مصر ومكانتها وقدرها وشعبها، لا سمح الله. وموجز القول إلى هؤلاء، وأشباههم، إن الإساءة الأمضى لمصر، بلداً وشعباً وحضارةً ومكانةً، هو في هذا الافتراض السخيف. وهنا، يحسُن بهم أن يعرفوا أننا، نحن العرب الذين تقيم مصر في قلوبنا ووجداننا، لن نتوقّف عن الهزء بهذا الرجل الذي وثب إلى السلطة بالكيفية المعلومة، وترتبت له انتخاباتٌ تم التمديدُ لها يوماً ثالثاً، وها هو يراكم فشلاً على فشل، ويزوّدنا يوماً بعد آخر بتهريجه المضحك، والمؤسف على حال مصر، إذ إنه هو، وليس غيره، من يتولى رئاستها.
من العيب على متعلمين يعملون في الإعلام، ويشتغلون في صناعة الرأي العام والتأثير عليه، أن يزاولوا العنصرية المجرّمة، والفوقية الخاوية، والأستاذية الخائبة، في تعالٍ مرذولٍ على أهل الخليج بهذا الإسفاف. ولعله صار من الواجب أن يُقال للعنصريين والتافهين غير القليلين في الصحافات والتلفزات المصرية إن عليهم أن يعرفوا على أي أرضٍ يقفون، فمصر التي نعرف، والتي علّمتنا، في بلدان الخليج وفي غيرها، ليست هذه التي نرى، والتي يتسارع التراجعُ فيها باضطرادٍ على كل صعيد، والتي يقترف نظامٌ حاكمٌ فيها الجريمة تلو الجريمة، فيما يطبّل له هؤلاء المرضى بعنصريتهم الذين يحسُن أن يعرفوا أن الشعوب العربية، في دول الخليج وغيرها، وبكل أسفٍ وأسىً، لم تعد تتلقف ما يهبّ من مصر ويفد منها، كما لو أنها تلاميذ لا يجدون المعرفة والعلم إلا من القاهرة. لم يعد الأمر كذلك، والمتمّنى أن تكون القاهرة مصدر إشعاع وتنوير وإبداع وعلم وإنتاج، لكن القليل من ذلك هو ما تطرحه مصر الراهنة، المكبّلة والمحتلة، فالتلفزات والصحافة فيها، مثلاً، يكاد لا ينبعثُ منها إلا الممجوج من الثرثرات المضجرة، ولا يصدر عنها، إلا في ما ندر، غير البؤس الذي ما تخيّل عربيٌّ في أي يومٍ أن شيئاً مثله يمكن أن يصادفه، وفي مصر تحديداً.
نتذكّر أن مصر نالت الصفر الشهير في التنافس على تنظيم كأس العالم في ملاعبها، غير أن دولة قطر نافست دولاً كبرى وعظمى، وتأهلت لتنظيم التظاهرة العالمية. أما بشأن ما يحدث أن يثرثر به بعضهم عن القوة الناعمة لمصر، المتمثلة في الفنون والآداب ونتاجاتها، فإنه مع التسليم بأن مقادير شحيحةً من هذه القوة ما زالت باقيةً، إلا أنه يجدر تذكير المنقطعين لترديد هذا الكلام بأنه شتّان بين ما كان وما هو حادث.
مقطع القول، أخيراً، ثمّة مرض لدى نخبةٍ غير قليلة تحتلّ فضاءاتٍ ومساحاتٍ في الإعلام المصري يحسن الشفاء منه، لأنه لا يبعثُ على غير الهزءِ من أصحابه، عندما يظنون أن ثمّة من يكترث للزعرنة التي يحترفونها، عندما يبثّون عنصريّتهم المقيتة ضد مواطني دول الخليج، وعندما يستطردون في "التمنّن" على بقية العرب، لأن مصر قدّمت وأعطت لأمتها، وإنْ يبعث هذا الكلام، وغيره كثير، على الشفقة تجاههم، لفرط جهلهم بالتاريخ وأقداره، وبالجغرافيا واستحقاقاتها، ولا يعرفون أيّ رصيدٍ ثقيلٍ في مصر يبدّده عبد الفتاح السيسي، وهو يتفوّق على كتّاب المسرحيات الهزلية، ومونولوغات الفكاهة، أعان الأمة على احتمال وجوده.. إلى حين.

في الأحد 30 أكتوبر-تشرين الأول 2016 09:18:28 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1045