سقوط النخبة وبروز الشعبي
كاتب/عبد اللطيف السعدون
كاتب/عبد اللطيف السعدون
باستعارة عنوان كتاب عبدالله الغذامي "سقوط النخبة وبروز الشعبي"، يمكن توصيف فوز دونالد ترامب برئاسة أميركا على أنه صورة أخرى من صور هذه الظاهرة التي اكتسحت ميادين السياسة والإعلام والعلاقات الدولية في العالم، في العقود الأخيرة، وهي ظاهرة "سقوط النخبة وبروز الشعبي"، وإن عدّ ترامب نفسه واحداً من "النخبة"، باعتباره ابن نعمة وثراء، لكنه عرف، بقدراته الفردية وماله الخاص، كيف يستميل المهمشين والغاضبين الذين افتقدوا حلم الرخاء والاستقرار، مستغلاً مشاعرهم ومداعباً تطلعاتهم، ومراهناً على شعاراتٍ شعبويةٍ صارخةٍ، مثل "أميركا عظيمة ومتفوقة"، أو "أميركا للأميركيين الأولين، وليس لحملة البطاقة الخضراء"، ليقفز إلى الموقع الأول في العالم، تاركاً خلفه كل استطلاعات الرأي وآراء المحللين، ومنهياً دور "المؤسسة" التي صنعتها "النخبة"، وأعطتها سماتها وخصائصها، وحتى قوّتها وقدرتها على فرض نفوذها، والتي لم تعد بالفاعلية والتأثير نفسيهما، إلى درجة أن رؤساء سابقين عديدين استطاعوا تمرير قراراتٍ في أمور شائكة، وإيجاد المخرج القانوني لها، وإن لم تحظ برضا "النخبة" تماما.
وباستعادة مشهدٍ في فيلم أنتجته "هوليوود" قبل عقود، يروي حكاية صنع الرؤساء الأميركيين، نجد أن الرئيس، بعد أدائه مراسيم القسم، يأخذه مستشاروه إلى قبوٍ تحت الأرض، يلتقي فيه بمجموعة صانعي القرار، ليطرح عليهم تصوراته ورؤاه للمرحلة المقبلة. وقد يختلف، في هذه التصورات والرؤى، مع تلك المجموعة، لكنه، في النهاية، يدرك أن السياسات تقرّرها المجموعة النافذة التي التقى بها، وأنه لا يستطيع البتّ في أي أمر مهم، إذ ستتولى المجموعة اتخاذ القرارات المناسبة، وتترك له فقط مهمة الإعلان عنها، كما سيترك له واجب تنظيم وضع "المكتب البيضاوي" وترتيب ديكوراته، واختيار اللوحات المناسبة له. هنا يرضخ الرئيس لما ترسمه "النخبة"، ويكتشف متأخراً أن عليه أن يملك ولا يحكم.
لم يعد هذا المشهد ماثلاً عملياً منذ أحداث "11 سبتمبر"، أو ربما قبله، كما لم تعد الولايات المتحدة التي تتحكّم في مصير العالم تدار بهذه الطريقة التي أظهرتها "هوليوود"، فقد أصبح الرؤساء يتدخلون في رسم السياسات العامة، وفي إضفاء رؤيتهم على ما يجري من أمور، وما يتّخذ من قرارات، وأصبحت للرئيس صلاحياتٌ واسعةٌ، بعضها غير مقنن، وبعضها جاء إليه بحكم الضرورة التي يفرضها تغير العصر. لكن المشهد الهوليوودي بقي في ذاكرتنا، نحن العرب والشعوب التي مثلنا، وما تعلمناه في دروس "العلوم السياسية" رسخ هذا المشهد عندنا، إذ قيل لنا إنّ في أميركا مؤسسات راسخة: المخابرات والبنتاغون والكونغرس، ومهمة الرئيس فقط هي وضع الإطار المناسب للصورة التي ترسمها هذه المؤسسات، لمستقبل أميركا والعالم، باعتبار ذلك من خصائص الديمقراطية الأميركية، وأن السياسات الأميركية تمثل تعبيراً عن "المصالح الأميركية" و"ضرورات الأمن القومي الأميركي" على نحو ثابتٍ ومستقر، وحمدنا الله على أن وجودنا "مصلحة أميركية" خالصة، وأن أمننا متداخلٌ مع الأمن القومي الأميركي، ومكمّل له، وبدت لنا تحالفاتها معنا أبديةً، ولا تقبل الانفصام، وحسبنا ما نطق به لسان ترامب ضدنا في حملته الانتخابية أشبه بهذيان محموم، ونمنا قريري العين، ترافقنا استطلاعات الرأي وآراء المحللين وتوقعاتهم الواعدة، ونحن مطمئنون إلى أن "النخبة" لا تحتمل فوز مهرّج، غليظ القول، ضعيف الحجة، خارج على "المؤسسة"، وأعطينا دعمنا كاملا لهيلاري كلينتون، على الرغم من عدم إيماننا بأن تتسيّد العالم امرأة.
لكن، فاجأنا، على حين غرة، فوز ترامب، وأصابنا بالرعب، وشعرنا بالعجز عن فهم ما يجري، وقد وضعنا بيضنا كله في سلة واشنطن، منذ دخل الأميركيون إلى ساحاتنا بعد الحرب العالمية الثانية، إبّان ظهور النفط، ولم نفكر طوال تلك العقود في أن ثمّة عواصم أخرى يمكن أن نضع في سلالها بعض البيض، كما لم تسعفنا عقولنا القاصرة في أن نعمل على تنمية قدراتنا الذاتية، ونبني بلداننا لكي تأخذ عواصمنا مواقع ندية مع عواصم العالم. وها نحن نكتشف اليوم، والندم يغمرنا، أن "ليس في السياسة أصدقاء دائمون، ولا أعداء دائمون، إنما مصالح دائمة". وإذا كانت أميركا التي نعرفها تريد أن تتغير، فلماذا لا نتغير نحن، ونبحث عن عواصم أخرى، ننقل إليها مرابط خيلنا. أكثر من ذلك، لماذا لا نجعل مرابط خيلنا في بلادنا؟

في الخميس 17 نوفمبر-تشرين الثاني 2016 07:10:18 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
https://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://samapress.net/articles.php?id=1053