النسخة الرخيصة من مصر
الكاتب الصحفي/وائل قنديل
الكاتب الصحفي/وائل قنديل
ما تراه وتعايشه الآن ليس مصر الحقيقية، كما نحتها المكان على جدار التاريخ. لذلك، لا تبتئس، فهذه واحدةٌ من لحظات انحطاط وانهيار كثيرة مرّت عليها، وبقيت كما هي في جوهرها الأصيل. نحن الآن بصدد نسخةٍ رخيصة ومزيفة من مصر الحقيقية، على المستويات كافة، من السلطة إلى المعارضة، من النخب إلى الجماهير، إذ بلغ التشوّه حداً مخيفاً، مع هذا التآكل السريع في الغلاف القيمي المحيط بها. كأن مصر كلها محبوسةٌ داخل كهف أفلاطون، ظهرها للنور ووجهها للظلام، ومن الخلف يتلاعب السجان بالأشكال والظلال، فيصير ما يراه الناس، المكبلون بالقيود، منعكساً على الحائط الوحيد أمامهم، من ظلال باهتة للأشياء، هو الحقائق، بالنسبة لهم، وهم على هذه الوضعية الفقيرة من الإدراك.. حتى إذا أخرجوا من ظلام الكهف إلى نور الواقع، رفضوا أن يصدّقوا أن ما وقعت عليه أعينهم هو الحقيقة، واعتبروه خيالاتٍ وصور مزيفة للأشياء الحقيقية. صاروا ينكرون الأصل، ويؤمنون بالنسخة الباهتة المزيفة، الرخيصة، فيصبح عبد الفتاح السيسي، مثلاً، هو الزعيم الوطني، أو مثال الزعيم، ويتعاطون ليبراليةً رخيصة، وعروبةً مزيفة، ونماذج مقلدة، من الشخصيات التاريخية، فيكون يسار يرقص فرحاً لانتصار اليمين الأميركي المتطرّف، ويكون ناصريون يهتفون بالروح بالدم فداء للزعيم الذي يرفل في دفء الكيان الصهيوني، ويحاولون تسويقه للجماهير على أنه النسخة الأصلية من جمال عبد الناصر. يصير سعد الهلالي وإسلام بحيري والشيخ ميزو والمهرج مظهر نماذج لرجل الدين الحقيقي، بالإكراه والإلحاح، فيما يتحوّل محمد متولي الشعراوي إلى متهم بالإرهاب والتطرّف، والعبث بصحيح الدين، ويفصل المفكر الإسلامي الأصيل الدكتور حسن الشافعي من منصبه في الجامعة ويُحال إلى التحقيق، على يد "فسل" مثل جابر جاد نصار، ويوضع العلامة يوسف القرضاوي على قوائم الإرهاب، ويشرّد العلماء الحقيقيون في المنافي والسجون. في القضاء، يبيع المحترمون مساكنهم، ويشتغلون سائقي تاكسي، كي يواجهوا أعباء الحياة، بعد فصلهم ومطاردتهم، لأنهم أبوا أن يبيعوا ضمائرهم، وينخرطوا في مشروع صناعة مصر الرديئة، المستقيلة من تاريخها. في الإعلام، تصعد الأصوات البذيئة، تعقر بشراسة، وتفترس بوحشية، وتنتهك القوانين ومواثيق الشرف، والأصول المهنية، متمتعةً بغطاء من الحماية السلطوية، فيما تتوارى الأصوات الحقيقية، وتحجب الوجوه الرافضة للابتذال والتسفل، وتصير منبوذةً، غير مسموح لها بأكثر من البقاء على قيد الحياة. في المجال العام، تعسكر المدنيون، وهيمن العسكريون على كل شيء، من قصيدة النثر إلى كيس السكر، وباتت الخلفية العسكرية هي الحل في إصلاح عطب المجتمع المدني، حتى وصلنا إلى أن "العسكرية" تحكم وتتحكّم في كل شيء في مصر، إلى درجةٍ يُخشى معها أن يصير الجيش نفسه بلا خلفيةٍ عسكرية، في غمرة الاندفاع المحموم للتغلغل في مفاصل الحياة المدنية. كذلك، في السياسة، وفي المعارضة، تسود النسخ المقلدة من سعد زغلول، ومن مصطفى كامل، ومن عبد الوهاب المسيري، وإبراهيم شكري ونبيل الهلالي، وأحمد سيف الإسلام، تبيع أوهام زعامةٍ ركيكة، وتستثمر في نضالٍ زائف، وتمارس ابتزازاً سخيفاً لمشاعر الجماهير، وتظن أنها كبيرة، وقائدة، بمجرد أنها ترتدي ثياب الكبار الراحلين. حتى الكيانات والتجمعات التي تعلن عن نفسها، وتدّعي لنفسها الجدارة بقيادة المشروع المناهض لبطش السلطة وقمعها، باتت نسخاً باهتة من كياناتٍ ومشروعاتٍ حقيقية، سبقت، وتتوهم أن استخدام مسميات قديمٍ حقيقيٍّ نجح يكفي لصناعة نجاح جديد، زائف ينبش في ما فات من تجارب، من دون محاولة جادة لصياغة مشروع حقيقي، يتمتع بالحد الأدنى من المنهجية والرؤية، وكأنهم يمضغون الوقت، ويدخنون الشعارات والكلام. حتى هذه السطور التي أنشرها عليك، من الممكن جداً أن تراها استنساخاً باهتاً لكتابات حقيقية سلفت، تركها كبار سابقون. غير أنك لا يجب أن تبتئس، فبعد الليل نهار، هكذا يقول لنا تاريخ الحضارات والشعوب، وهذا النهار سيتكون وينبلج من الداخل، على يد جيلٍ آخر، يوشك تشكله أن يكتمل، سيداهمك بوعي مغاير، وحركة مختلفة عما هو سائد، والذي هو نهايات ظلال وصور باهتة، تخفت وتتلاشى سريعاً، إيذاناً بانبعاث مصر حقيقية، وأصلية، من تحت الركام، مصر متجدّدة، سلطة ومعارضة، لا تعرف هذا التعلق الطفولي بطرف ثوب الخارج.
في الأربعاء 07 ديسمبر-كانون الأول 2016 07:09:54 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1101