بين الدوحة والقاهرة
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري
أبدعت حكومة عبد الفتاح السيسي، أخيراً، اختراعاً مبتكراً في الأداء الدبلوماسي، عندما عمدت إلى الإيحاء بمسؤوليةٍ مبطّنةٍ، من نوعٍ ما، على دولة قطر في جريمة تفجير الكنيسة البطرسية الإرهابي، وذلك في بيانٍ لوزارة الداخلية، جاء على إقامة مواطنٍ مصري، متهم رئيسي في التفجير، في قطر، شهوراً قبل عودته إلى بلده. وعندما أرادت الردّ على بيانٍ للأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، عبد اللطيف الزياني، أعلن انزعاجاً من هذا السلوك تجاه دولةٍ من أعضاء المجلس، خصّت هذه الحكومة وزارة الخارجية فيها، لإصدار هذا الرد. ما عنى، في منظور الجهاز الدبلوماسي المصري، أن أي شأنٍ يتصل بدولة قطر هو أمني، تختص به وزارة الداخلية، فيما أي شأنٍ يتصل بمجلس التعاون الخليجي، والذي تنتسب إليه قطر، سياسيٌّ تختص به وزارة الخارجية. الأمر الذي لم تسلكه الدوحة أبداً في المسألة نفسها، فقد بادرت وزارة الخارجية القطرية إلى توضيح أمر ذلك المواطن المتهم (الفارّ في مصر حتى الآن)، وأعلنت أنه أُعطي تأشيرة زيارة (مدتها ثلاثة شهور)، ثم غادر إلى مصر، في فبراير/ شباط الماضي، أي قبل نحو عشرة شهور من حدوث الجريمة. وواضحٌ أن معلومات بيان الخارجية القطرية من المصادر المختصة في وزارة الداخلية. وعندما نعلم أن المتهم لم تعتقله سلطات القاهرة لدى عودته، فإن الدوحة في بيانها بدت شديدة الوضوح في رفض أي إيحاءٍ بصددها، عندما أفادت بأنها لم تتلقّ أي طلبٍ من السلطات الأمنية المصرية، أو من الشرطة الجنائية العربية، أو الدولية، تحول دون السماح للشخص المتحدّث عنه بدخول قطر أو القبض عليه.

خرجت حكومة السيسي، في هذه الواقعة العجيبة، عن اللياقة الدبلوماسية التقليدية، حتى في أثناء الخلافات بين الدول، فقد كان في وسعها أن تتواصل، عبر القنوات الرسمية، مع الحكومة القطرية، لاستيضاحها الأمر، بعد أن تستكمل تحقيقاتها في شأن الجريمة المدانة، وبشأن الشخص المتّهم، بدل التذاكي المكشوف الذي وضع القاهرة في موضع الانتقاد المحقّ من أمانة مجلس التعاون، وفي موضع السخرية منها، عندما صار يلزم أن تُعطى دروساً في الأداء الدبلوماسي، بدل أن توفّر للإعلام المصري الفالت مادةً مضافة في مهرجان ثرثرة مذيعيه وضيوفهم عن أي شيء، وكيفما اتفق. والظاهر أن حكم عبد الفتاح السيسي لم يقتنع بعد بأن التشبيح العالي، في تلفزاته وفضائياته، لم يعد مبعث اكتراث أحدٍ خارج استوديوهات التصوير. ومن العجيب أن يتوهّم هذا الحكم أنه حذامِ التي قال الشاعر العربي القديم إنها إن قالت أيَّ قولٍ فإن علينا تصديقه، فيما يحسُن أن يعرف، كما أجهزتُه وأعوانُه وأذرعه، أن معاقبة الثورة المضادة التي أشهروها "الإخوان المسملين" بتسميتهم إرهابيين، وبسجنهم وملاحقتهم، بسبب فوزهم في انتخاباتٍ رئاسيةٍ وبرلمانيةٍ، هي شأنُ هذا الحكم وأجهزته وأعوانه وأذرعه، وليس العالم مطالباً بالأخذ به.

تَعد الخارجية المصرية، في بيان تعقيبها على الزياني، بأن تعلن كل شيء فور اكتمال التحقيق في جريمة التفجير في داخل الكنيسة البطرسية. والمتمنّى، بالطبع، أن تقتصّ العدالة من المجرمين، أياً كانوا، لما اقترفت أيديهم الآثمة، غير أن عبد الفتاح السيسي ألحّ، قبل كل شيء، عدم الحديث مطلقاً عن أي خللٍ أمني. وليس في وسع معلقٍ، يكتب هذه الكلمات، أن يُفتي في أمرٍ مثل هذا، غير أن سطور مقالته هذه يندسّ فيها سؤال شمّاسٍ في الكنيسة: كيف أمكن أن تصل كمية المتفجرات (12 كلغم) إلى غرفة الصلاة في الكنيسة؟ وإذ عرفت مصر 130 هجوماً واعتداءً على الكنائس والممتلكات القبطية منذ وثب السيسي إلى السلطة، فإن بيان الخارجية الذي عقّب على انزعاج دول مجلس التعاون من زج اسم دولة قطر في الجريمة، يصير لا مدعاة له. ولأن أرشيف الاعتداءات والصدامات والجرائم ذات اللون الطائفي في مصر ثقيلٌ، ومنها في الخانكة (1972) والزاوية الحمراء (1981) والكشح (1999) ومطرانية نجع حمادي (2010) واطفيح (2011)، وكنيسة القديسين (2011)، فإن سؤالاً ساخراً، مشوباً بمرارةٍ وحزنٍ وأسى، هل مرّ أحدٌ من المتهمين والمتورطين في هذه الأحداث (وغيرها) بالدوحة؟

في الإثنين 19 ديسمبر-كانون الأول 2016 10:59:12 ص

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1133