أبعد من : باسل غطّاس
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري
صحيحٌ أن السلطة الأمنية الحاكمة في إسرائيل تمارس، في اختراعها قضيةً للنائب الفلسطيني في الكنيست، الدكتور باسل غطّاس، والتي يتم احتجازه والتحقيق معه بشأنها، "انتقاماً سياسياً" منه، على ما قال محقاً، في "فصلٍ خطير وغير مسبوق" في حملة الاستهداف التي لا تتوقف ضد حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي ينتسب إليه الرجل، عضواً في مكتبه السياسي، كما أوضح الحزب نفسه. صحيحٌ هذا وذاك، غير أن في الوسع أن يُضاف إلى الأمرين، وغيرهما، غرضٌ أبعد، وهو أن دولة الاحتلال تشدّد حربها، المعلنة أصلاً، على الهوية القومية العربية الفلسطينية لدى أصحاب الأرض من السكان، والذين حاول بنيامين نتنياهو، قبل شهور، مشابهتهم بالمستوطنين الإسرائيليين اليهود في أراضي الضفة الغربية، وتصدّى لسخافته هذه "التجمّع" وسائر القوى والفاعليات العربية في الأراضي الفلسطينية التي نُكبت باحتلال عام 1948. ذلك أن من غير المقنع أن محاكمة غطّاس الذي رمى الحصانة البرلمانية عنه من دون أسف تتم بسبب زيارته أسيرين فلسطينيين (وليد أبو دقة وباسل البزرة) في واحدٍ من سجون الاحتلال، وإعطائهما هواتف نقالة، وإنما هي بسبب ما تشتمل عليه هذه الزيارة من معاني الارتباط بالكفاح الفلسطيني ضد الاحتلال، ومن مضامين الانتساب إلى الأفق الفلسطيني العام. وأيضاً بسبب ما يمثله باسل غطّاس نفسه، وهو الذي كان، في يونيو/ حزيران العام الماضي، على متن واحدةٍ من سفن كسر الحصار على فلسطينيي قطاع غزة، ولم تحتمل منه حكومة الدولة العبرية وصفه رئيسها السابق، شمعون بيريز، في سبتمبر/ أيلول الماضي، مسؤولاً عن جرائم حرب، وواحداً من "أعتى أركان المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني".

عندما يتطاول وزير الأمن الصهيوني، أفيغدور ليبرمان، على غطّاس ورفاقه في "التجمع الوطني الديمقراطي"، ويتوعدهم بالعمل "ليس فقط ألا يكونوا نواباً في الكنيست، وإنما من أجل ألا يبقوا مواطني دولة إسرائيل"، فإنه، في إطالة لسانه هذه، يعبّر عن مقادير القلق الذي يحدِثُه، في منظومة الحكم في دولة الاحتلال، صوت غطّاس عالياً في الانتماء إلى شعب فلسطين، مع الجهر بحقوق المواطنة كاملةً، من دون مساوماتٍ أو اشتراط الولاء السياسي الذي تشتهيه العصابة الحاكمة في إسرائيل. هذا هو العمق البعيد للكفاح الذي يعبّر عنه حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي دوهم مقرّه، واعتقل قياديون وأعضاء فيه، في سبتمبر/ أيلول الماضي، بعد افتعال قضية جمع تبرّعاتٍ غير مشروعة، في واحدةٍ من جولات ضرب الحزب وترهيبه ومحاولة قتله، الأمر الذي استعصى غير مرّةٍ على أجهزة الدولة العبرية، فواظبت على اختراع محاولةٍ تلو أخرى، من أجل أن يتسنّى لها إنهاء فاعلية "التجمع" بين جماهير الداخل الفلسطيني، ومعلومٌ ما تعرّضت له النائب حنين زعبي من محاكمات، وليست منسية لائحة الاتهامات والأحكام ضد مؤسس الحزب، عزمي بشارة، ونوبات التحريض التي لا تتوقف ضده.

وليس "التجمع" وحيداً في معركة المواجهة مع مشروع تحويل الفلسطينيين في أرضهم إلى ملتحقين وأدوات في المؤسسة الإسرائيلية، فثمّة أحزابٌ وتشكيلاتٌ وفاعليات وطنية نشطة في هذا الكفاح، ومنها الحركة الإسلامية بزعامة شيخها المجاهد، رائد صلاح، والتي استُهدفت بالحظر، لما تثابر عليه في نهجها الوطني. وفي سياق هذا كله، وضمن الحرب المعلنة ضد التيار الذي يتبنّى الهوية القومية العربية الفلسطينية لسكان الأرض الأصليين، ويلحّ على الاعتراف بحقوقهم القومية، وبأنهم جزءٌ من شعبهم الفلسطيني العربي، تأتي الفِرية المخابراتية المكشوفة ضد الدكتور باسل غطّاس. والتي تستدعي من عموم الشعب الفلسطيني، في كل فلسطين، وفي خارجها، إسناده بكل وسائل الاحتجاج والضغط، ومن ذلك مخاطبة الهيئات والتكوينات الحقوقية في العالم، فتكون القضية مناسبةً جديدةً لتظهير الطابع العنصري لدولة الاحتلال، ولتأكيد المؤكّد، على صعيد وحدة الشعب الفلسطيني في كل مطارحه، ولا سيما في أراضيه المحتلة في نكبة 1948 ونكسة 1967. ولتمتين التواصل الواجب، في كل الأحوال، مع المرابطين في وطنهم هناك، وهم في فم الذئب، ويخوضون صراعاً عويصاً، ذا أبعادٍ ثقافيةٍ وسياسيةٍ ووطنيةٍ غير قليلة.

في الإثنين 26 ديسمبر-كانون الأول 2016 04:39:57 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1151