فلسطين : ضياء العزّاوي
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري
تستحق لوحة ضياء العزّاوي "صبرا وشاتيلا" تسمية فنانين وذوّاقين لها "غيرنيكا الفلسطينيين". تُستضاف، وهي 7.5 أمتار طولاً و3 أمتار عرضاً، منذ منتصف أكتوبر/ تشرين الأول الماضي إلى منتصف إبريل/ نيسان المقبل، في الدوحة، في ثاني مرّةٍ تعرض في بلد عربي (الأولى في الكويت، 1983)، مع نحو خمسمئة لوحة وعمل فني للرسام العراقي، في معرضٍ استعادي (من 1963 إلى الغد)، يعدّ الأضخم لفنان عربي، وسمّاه "أنا الصرخةُ، أية حنجرة تعرفني؟". وبذلك، حظينا، نحن (وزوّارنا) في الدوحة بإطلالةٍ على خمسين عاماً من المجهود الإبداعي للفنان المعروف، بالتجوال في عوالم ومساراتٍ وخياراتٍ جماليةٍ ولونيةٍ تنوّعت وتميّزت، وتعدّدت تقنياتها، واتّسعت موضوعاتها ومشاغلها، وفي محطاتٍ وتجارب غنية، وفي الأساليب والإيحاءات، وفي المغامرات والانعطافات الفنية التي عبر منها وإليها ضياء العزّاوي (1939).

ولا أجد حرجاً في القول، هنا، إنني فوجئتُ بالحيّز العريض الذي تقيم فيه فلسطين في هذا كله، ما قد يعود إلى أنني من خارج نادي المختصّين بالتشكيل العربي وبالعزّاوي، وأنتسب إلى جيلٍ لم يتعرّف على قديم هذا الفنان في السبعينيات وبعض الثمانينيات. ولكن حرجاً مثل هذا سينطوي، عندما تغشاك الغبطةُ بينما تكون عيناك وحواسّك في حضرة النشيج العالي الحرارة من انتهاك الجسد الفلسطيني في غير واقعةٍ ومذبحة، كما أبدعه ضياء (مثلاً) في لوحاتٍ، من وحي ما جرى في مخيم الحسين في عمّان، إبّان الاشتباكات بين الفدائيين والجيش الأردني، ثم عن المذبحة المهولة في تل الزعتر في لبنان، ثم "صبرا وشاتيلا"، ثم في جنين.

جاءت لوحة "صبرا وشاتيلا" إلى الدوحة من متحف تايت في لندن، وكانت قد صارت قبل أربعة أعوام من مقتنياته، في حدثٍ يبعث على السرور. تتملّى في مشهدها الممتدّ، تنبطح فيه أشلاء مقطّعة، وأيادٍ مرمية، وبشر بلا تقاطيع، فيأخذك الصراخ الصامت (؟) الذي يصنعه ضياء العزّاوي في الملحمية الحاضرة في خطوطه باللون الأسود إلى واقعة المذبحة غير المنسيّة في 1982.

كأن هذا الفنان مهجوسٌ بالغضب من استهداف الجسد الفلسطيني في مواقع التوحش في غير مطرح. ثمّة مقادير عاليةٌ من احتجاج الضحايا الذي يكاد هسيسُه يسمع في الرسوم عن "تل الزعتر" في 1976، وأخذت اسم "النشيد الجسدي"، ودخلت فيها مقاطعُ من قصائد ثلاث لمحمود درويش والطاهر بنجلون ويوسف الصايغ، عن المجزرة، وصدر كتاب لاحقاً يضم القصائد والرسوم. من أين لك أن ترى الألم الفلسطيني في عمارة ضياء العزّاوي لولا هذا المعرض الفريد؟ كيف كان سيتأتّى لك أن تتملّى في رسومٍ استوحاها من ذلك الاختناق الفلسطيني في الأردن، في 1970، وكان الفنان هناك في واحدةٍ من فصائل منظمة التحرير؟ أمّا وأنك ربما نسيتَ أن قصص غسان كنفاني لمّا صدرت مجتمعةً كانت مرفقةً بتشكيلاتٍ من ضياء العزّاوي، سمّاها "رسوم لأرض البرتقال"، فها هي قدّامك في المعرض، رهيفةٌ، فيها الولع المقيم في روح هذا الفنان ووجدانه بالجسد الإنساني، مرمياً أو واقفاً أو متروكاً أو منتهكاً أو مفجوعاً، أو في أي حال. على غير الهدوء البادي في تلك الرسوم، وإيقاعها المتمهل، جاءت رسومٌ أخرى من وحي الحالة الفلسطينية، (مراسيم الشهداء 1975 مثلاً)، وصولاً إلى "جنين" في العام 2002، حيث تفاصيل الموت واحدةٌ، وعيون الشهداء مطفأة، وسنابل قليلة فلتت من اليدين، والحمامات حائرة.

ليست مناسبة هذه الكلمات، هنا، اكتشاف فلسطين في ضياء العزّاوي، وإنما الانتباه الجديد إليها حاضرةً بينما كان الرسام، اللندني الإقامة، على دأبه الفني المديد في استيحاء العراق وأساطيره وموروثاته، قديمه ورموزه، راهنه ودماره واحتلاله، مائه ومناراته، طوال أكثر من خمسين عاماً، وهو الذي غادر العراق في 1976، ولم يعد إليه أو يزوره. وفي وسعك أن تقول إنك، في معرض العزّاوي في الدوحة، سترى الإنسان وأشواقه وعذاباته وبحثه عن الحرية موضوعاً دائم الحضور. وسترى العراق، أرضَ السواد في مسمّى واحدةٍ من مجاميع الرسام، فضاءً طلقاً في المخيّلة الشاسعة. أما فلسطين، فلن تغادرك وأنت تطوف بين كل هذه الألوان التي جالت، أزيد من خمسين عاماً، في أرض هذا الفنان وأخيلته التي حلّقت بعيداً، وما هبطت بعد في مكان.


في الجمعة 30 ديسمبر-كانون الأول 2016 06:43:03 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1159