في تذكر بوعزيزي
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري
تُستدعى أجواء الثورة التونسية، في ذكراها السادسة في هذه الأيام. وفي الأثناء، تمرّ حكاية محمد بوعزيزي المعلومة، والتي يبدو أن التونسيين لا يستحسنون الإتيان الكثير عليها، ولا سيما إذا ما خيض فيها بمبالغاتٍ تصيّر هذا الشاب بطلاً ورمزاً، وهو الذي أشعل النار في بدنه، بعد أن مُنع من بيع الكمّثرى على عربته في سيدي بوزيد، أمام مبنى البلدية التي لم يحفل أي موظفٍ فيها بشكواه من بؤس حاله. وكانت أخبارٌ قد جاءت على نزع بعض أهالي المدينة صورةً كبيرةً له في أحد شوارعها، ولافتاتٍ حملت اسمه، لأن الشعب التونسي هو الذي قام بالثورة وأشعلها، وليس "الولد المحروق"، كما غالى بعضُهم في تبخيس شأنِه من غير حقّ. وأيضاً لأن تونس ضجرت من تقديس الرموز والأبطال والأساطير. وإذ نُشر خبرٌ (غير مؤكّد ربما)، قبل شهور، أن والدة بوعزيزي وشقيقته هاجرتا إلى كندا، لإقامةٍ دائمةٍ هناك، فذلك يعبّر عن ضيقٍ لدى أسرة الشاب الذي صار شارع 7 نوفمبر (يوم تولي زين العابدين بن علي السلطة) في العاصمة التونسية يحمل اسمه من نفورٍ واسعٍ منها، بعد أن شاع كلامٌ كثيرٌ عن "امتيازاتٍ" خاصة مُنحت للأسرة، وعن "أموالٍ" أعطيت لها. وكان قد تم التحفّظ على والدة بوعزيزي بالحبس أياماً، جرّاء اعتدائها لفظياً على قاضٍ في محكمة. ومعلومٌ أنه لم يثبت أن الموظفة الشرطية في بلدية سيدي بوزيد، فايدة حمدي، صفعت بوعزيزي، فقد برّأها القضاء من هذا الاتهام، وهي التي احتُجزت في السجن أربعة شهور، ولكن "الصفعة" كانت ضروريةً لتفاصيل القصة الشائقة والمثيرة، والتي كانت، عن حق، شرارة الربيع العربي كله.

صار في الوسع، إلى حدٍّ ما، الحديث عن أدب الربيع العربي، أي عن نصوصٍ روائيةٍ وشعريةٍ وقصصيةٍ عربيةٍ غير قليلة، اعتنت بهذه الانعطافة البالغة الأهمية في الراهن العربي، فقد تراكمت، في السنوات الست الماضية، أعمالٌ أدبية غير قليلة ذهبت إلى هذا الموضوع، وإلى إحالاته وحواشيه الغزيرة. ولكن قصة محمد بوعزيزي نفسها، بمقادير الدراما الوفيرة فيها، وبما أشعلته من غضبٍ في تونس رمى بن علي إلى خارج السلطة، لا يبدو أنها حافظت على ما تشتمل عليه من غوايةٍ للاكتراث الروائي والسردي والشعري، والفني العام، بها. وكان منتج السينما التونسي، طارق بن عمّار، قد أشاع، قبل نحو خمس سنوات، أنّه في صدد إنجاز فيلمٍ عن بوعزيزي، إلا أن شيئاً من هذا لم يتم. ولعلها وحدها رواية الطاهر بن جلون "بالنّار" (Par Le Feu) اختصّت بهذا الشاب (ترجمة حسين عمر، بيروت، 2012)، وقد كتبها صاحبها باستعجالٍ، فقد صدرت بالفرنسية بعد أيامٍ من إطاحة بن علي في يناير/ كانون الثاني 2011. وهي أشبه بحكاية، أو حدّوتةٍ، كلاسيكية المبنى (نحو 50 صفحة)، لا مكان متعيّناً تجري فيه وقائعُها، ولا زمن محدّداً لها، فأنت لا تقع على تونس فيها، وإنما مطلق مكان وزمان. ثمّة شاب فقيرٌ اسمه محمد، والدته مريضة، يرث عربة بيع فاكهةٍ من والده الذي تُفتتح الرواية بوفاته، له صديقة يحبّها، يحاول الأمن تجنيده مخبراً على زملائه المتظاهرين العاطلين، تخنُقه أحواله البائسة، ثم بعد أن يصفعه شرطي وشرطية، يحرق نفسه، وفي المستشفى يزوره الرئيس، ثم يموت، وتكون ثورة.
مرّ اسم محمد بوعزيزي في رواياتٍ ومجاميع شعرية تونسية وعربية كثيرة صدرت في الأعوام الست الماضية، غير أن رواية بن جلون البالغة البساطة وحدها (كما أعتقد) كان بطلها. ولكنه يحضرُ في مطلع قصيدةٍ مركّبةٍ وطويلةٍ للتونسي الراحل، محمد الصغير أولاد أحمد، يخاطب زين العابدين بن علي في المستشفى. ويحضرُ أيضاً في مختتم قصيدةٍ للشاعر التونسي، المنصف الوهايبي، يقول: ".. حين أبلغني صاحبي أنني صرت أيقونةً في بلاد العرب/ وربيع العرب/ قلتُ: أيقونة؟ أهذا اسم فاكهةٍ لستُ أعرفها؟.."
كان محمد بوعزيزي يحلم، في رواية الطاهر بن جلون، بالهجرة إلى كندا، وهذه والدته تفعلها وتغادر إلى هناك. وكان، قبل ست سنوات، أيقونةً. ما أخباره الآن في الوجدان العربي المهشّم؟ ما حالته بالضبط في مرآةٍ مكسّرة، لا يريد بعضنا أن يروا الربيع العربي إلا منها؟


في الأحد 15 يناير-كانون الثاني 2017 04:37:33 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1179