كن جبهوياً يا رفيق
صحفي سوري/خطيب بدلة
صحفي سوري/خطيب بدلة

حافظ الأسد، بعد نجاح انقلاب "الحركة التصحيحية" الذي استولى بموجبه على الحكم في سورية سنة 1970، وتصفيته رجالات المرحلة السابقة، والتناقص التدريجي للمخاطر المحتملة عليه؛ جلس يفكّر في أفضل الطرق وأكثرها سلاسة للاحتفاظ بسلطته أطول مدة ممكنة.
هو يعرف، تماماً، أن سورية شهدت سلسلة من الانقلابات العسكرية منذ عام 1949، بدءاً بانقلاب حسني الزعيم، مروراً بانقلاب سامي الحناوي، فأديب الشيشكلي، ثم حركة جاسم علوان، فالوحدة مع مصر، فالانفصال، فانقلاب البعث 1963، وانتهاء بحركة 23 شباط (فبراير) 1966 التي كان هو نفسه من مدبّريها، ومن أعمدتها الرئيسية.
تفتقت مخيلة الأسد، يومئذ، عن فكرة بارعة، هي ‏إحداث كيان سياسي يستطيع من خلاله تدجينَ الأحزاب السياسية التي كان لها وجود قوي في سورية قبل انقلابه، كالحزب الشيوعي، والأحزاب ‏القومية (كالاتحاد الاشتراكي وحركة القوميين العرب)... وبالفعل، استطاع أن يُقنع قادةَ تلك الأحزاب بأن سورية تعاني من خطر الصهيونية والإمبريالية، وكذلك الرجعية الدينية المحلية، ومن ثم على الأحزاب التقدمية أن تكون مع حزب البعث في خندق نضالي واحد. فوافقوا، ووقعوا في السابع من آذار (مارس) 1982 على ميثاق "الجبهة الوطنية التقدمية" الذي ينص على أن يكون حزب البعث قائد الجبهة، وأن يكون الأسد، بالطبع، رئيسها.
تلخصت المرحلة الثانية من خطة الأسد في ضرب الحالة النضالية التي كانت عليها هاتيك الأحزاب قبل توقيعها على "ميثاق الجبهة"، والتعويض عن النضال بمكاسب سلطوية، تُمْنَحُ للشخصيات القيادية البارزة فيها، كتخصيص كل واحدٍ من الأمناء العامين بسيارة، وعناصر للمرافقة والحراسة، وإعطائهم حقائب وزارية قليلة الأهمية، (عدا الحزب الشيوعي الذي أعطي حقيبة وزارة النفط)، وتسليم بعضهم الآخر إدارة بعض الدوائر والشركات الحكومية، وطباعة نشراتهم السياسية، مع قرار معلن ينص على منعهم من العمل في قطاعي الجيش والتعليم.
بعد أن اكتملت عملية التدجين، وأصبح قادة أحزاب الجبهة يتبارون في تقديم المديح للأسد، شرع السوريون بـتأليف ‏النكات عليهم، فكانوا يقولون إن هناك، في أحد أحياء دمشق، دكاناً كتبت على واجهته: "دكان الجبهة ‏الوطنية التقدمية، لصاحبه حزب البعث العربي الاشتراكي".‏
ومن الحكايات التي لا يوجد أحلى منها في العالم... أن أمين فرع إدلب لحزب البعث العربي الاشتراكي تلقى، ذات يوم، برقيةً من القيادة القطرية للحزب بدمشق، تنص على أن وفداً من "الجبهة الوطنية التقدمية" سيزور المحافظة بعد أيام قليلة، وأن عليه أن يعقد اجتماعاً لممثلين عن أحزاب الجبهة برعاية فرع حزب البعث، كما ينص الميثاق.
أغلق أمين الفرع سماعة الهاتف، وأمر بعقد اجتماع فوري لأعضاء الفرع، وطَرَحَ الموضوع للتداول، وتوصل المجتمعون، بعد لأي، إلى أن حزبين من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية ليس لهما أي وجود رسمي أو شعبي في محافظة إدلب. فما الحل؟
عولج الموضوع على النحو التالي: جيء بعشرة رفاق بعثيين، واتَّخَذَتْ قيادةُ الفرع قراراً بفصلهم، بحجة عدم دفع الاشتراكات، وتقدم خمسةٌ منهم بطلبات انتساب إلى أحد الحزبين الجبهويين، والخمسة الآخرون انتسبوا إلى الحزب الجبهوي الآخر... وعُقِدَ اجتماعُ الجبهة في موعده، وبحضور ممثلين عن أحزاب الجبهة في محافظة إدلب، من دون استثناء. وقام التلفزيون العربي السوري بواجبه في تغطية هذا الاجتماع التاريخي.
الخاتمة: نجحت التمثيلية التي ألفها وأخرجها أمينُ فرع الحزب نجاحاً باهراً، ولكن، حينما طُلِبَ من الرفاق العشرة ترك الحزبين اللذين نُسِّبُوا إليهما، والعودة إلى صفوف فرع الحزب، نفذ بعضُهم الطلب، معربين عن استعدادهم الدائم للالتزام بأوامر حزبهم العظيم، وآثر بعضُهم الآخرُ البقاءَ هناك. وقد أصبح أحدُهم، فيما بعد، وزيراً عن حزبه المنقول إليه، وأصبح آخر عضواً في المكتب التنفيذي عن حزبه المنقول إليه، وعُهِدَ إليه بمنصب نائب رئيس المكتب التنفيذي، فتأملْ!


في الإثنين 20 فبراير-شباط 2017 07:27:34 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1222