عمتك عيوش يا عبدو
صحفي سوري/خطيب بدلة
صحفي سوري/خطيب بدلة

كنت أقرأ ما كتبته السيدة سميرة بيراوي، زوجة الفنان الراحل عبد القادر عبدللي، على صفحتها في "فيسبوك"، فاستوقفتني حادثةٌ مثيرة ذَكَرَتْها، هي أن المرحوم عبد القادر كان يدرس، أوائلَ ثمانينات القرن الماضي، في إسطنبول، وكان، حينما تشارف السنة الدراسية على الانتهاء، يكتب رسالةً لوالده يستأذنه فيها للقدوم إلى إدلب، والاستمتاع بعطلة الصيف مع أهله، فيرد عليه والده، الحاج خيرو: يا ابني يا عبدو، لا تجي هذه السنة، لأن عمتك عيوش صحتها تعبانة.
ولأن عبد القادر ليس لديه عمة اسمها عيوش، فقد كان يفهم من العبارة أن الأوضاع الأمنية في إدلب سيئة، وأن والده ينصحه بالبقاء في إسطنبول، لئلا يتعرّض لما يتعرّض له أقرانُه من ملاحقات واعتقالات وإهانات وسجون وتعذيب على أيدي الأجهزة الأخطبوطية التي أسّسها حافظ الأسد وشقيقه رفعت، وانفلتت من عقالها إثر تمرد الإخوان المسلمين في تلك الفترة.
من شأن هذه العبارة الملغزة أن تفتح ذاكرتنا، نحن السوريين، على سلسلةٍ طويلة من الإجراءات القمعية التي يقوم بها نظام الأسد، من أجل إحكام قبضته الفولاذية على رقبة الشعب السوري، فلو لم يكن الحاج خيرو يعرف أن المفارز الأمنية المقيمة في مراكز البريد تفتح رسائل الناس وتقرأها وتحاسبهم على محتوياتها، لما اضطر للحديث عن الأوضاع الأمنية على هذا النحو الموارب.
اخترع السوريون، خلال حكم حافظ الأسد ووريثه، لغةً أخرى غير التي يتحدّث بها البشر الطبيعيون، فكان من يقيم في مدينة غير مدينته يتصل بأسرته ويسألهم: كيف حالكم؟ فإذا جاءه الجواب: الحمد لله على كل حال، عايشين. فإنه يقلق، ويقول لمحدثه: شغلت بالي. كيف الطقس عندكم؟ فيقول: السماء مغيمة، والبارحة بالليل صار برق ورعد وأمطرت بَرَداً. فيفهم ما حصل لهم بدقة.
في مختلف بقاع الأرض، يذهب المواطن إلى السجن، حينما يرتكب فعلةً مخالفة للقانون، فإذا سألتَ أهله: أين فلان؟ يقولون لك ببساطة: أخذوه إلى السجن. وأما نحن فنقول: راح لعند بيت خالته... وذات مرة سألتُ صديقاً لم أره منذ سنوات: أين كنت؟ قال لي: كنت أصَيِّف على البحر في "رأس البسيط". قلت له: ولكن نحن في الشتاء. قال: بودك الصراحة؟ البحر في الشتاء أجمل منه صيفاً.
الشيء الطبيعي أن يتجنب الإنسانُ التفوه بالكلمات التي قد توصله إلى (بيت خالته)، ولكن الواقع أن السوريين يخافون من التحدّث عن السجن حتى بعد الخروج منه، لأنه لا أسهل على آل الأسد من أن يعيدوه إلى حيث كان يقيم.
بعد خروج صديقي بسام يوسف من المعتقل، سأله أحدُ أصحابه القدامى: أين هذه الغيبة؟ فقال: والله كنت في سويسرا. ووقتها زعل منه صاحبُه، لأنه كان أنانياً وتدبر أمر السفر إلى سويسرا من دون أن يعلمه، وقد تَكَتَّمَ بسام على الأمر لأنه أناني، لا يريد الخير إلا لنفسه.
في كتابي "قصص وحكايات وطرائف من عهد الديكتاتورية في سورية- 2014" رويت مجموعةً من الطرائف عن ثوار مدينة إدلب الذين كانوا يتواصلون عبر الهاتف النقّال، ليتفقوا على مكان المظاهرة المسائية، فإذا قال أحدهم "الليلة العشا برغل" يفهم منه الآخرون أن المظاهرة ستنطلق من جامع الشيخ برغل في منطقة البازار. وإذا قال: أنا أعمل ريجيم وحمية، لذلك تعشيت تلت رغيف فقط، فهو يعني أن المظاهرة ستنطلق من جامع "الشيخ تلت". وذات مرة حصل إطلاق نار في إحدى المظاهرات، ووقع جرحى، نقلهم زملاؤهم إلى مشفى الهلال الأحمر. قلق أحد الشبان على أخيه الذي لم يرجع إلى البيت، فاتصل بصديقٍ له يعمل ممرضاً في الهلال، وقال له: اليوم كان عندنا عرس في الحارة، وكان أخي يصيح الموال، فأطلق أحد الحاضرين النار، وأخشى أن يكون قد أصيب، فيا ترى هل أحضروا لكم مطربين جرحى؟


في الثلاثاء 28 مارس - آذار 2017 06:01:15 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1249