مرافعة رياض حجاب
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري

لا تزيّد في اعتبار ندوة رئيس الهيئة العليا للمفاوضات السورية، رياض حجاب، أول من أمس، في منتدى بردى في الدوحة التابع لمركز حرمون للدراسات المعاصرة، بأنها المصارحة الأوضح من قياديٍّ كبير في المعارضة السورية، منذ ثلاث سنوات على الأقل ربما، عن هذه المعارضة وأحوالها، وعن الحالة السورية الراهنة عموماً، ذلك أن ما اشتملت عليه من تشخيصٍ لأمراضٍ مهولةٍ، تغالبها هذه المعارضة، يحسن أن يعرفه جميع السوريين الذين يقيمون على قناعةٍ بتحرّر بلدهم من النظام مغتصب السلطة في دمشق، ومن الروس والإيرانيين الذين استقدمهم، وأشياعهم، محتلين، على أن يكون لمعرفةٍ مثل هذه أثرُها على خيارات السوريين وحراكهم، باتجاه المسارعة إلى كل ما من شأنه أن تتعافى به الثورة، والمعارضات الوفيرة فيها، من عيوبٍ ظاهرة. وأن يقول رياض حجاب إن حال المعارضة مزرٍ وكارثي، فلذلك أهميته، ليس فقط لأنه قولٌ لا يصدر عن معلقّ في صحيفةٍ، يرتجل كلاماً مسترسلاً، وإنما أيضاً لأنه يصدر عن شخصٍ في الموقع الأول في الحالة السورية المعارضة، وعن صاحب شعورٍ بمسؤوليةٍ عالية تجاه شعبه.
يخبرنا رياض حجاب أنها 106 فصائل معارضة مسلحة تتوزّع في الأراضي السورية. ويتحدّث عن "أمراء حرب" فيها. ويقول إن هذا العدد يعود إلى تفشّي حب الزعامة، وإلى تعدّد الأجندات للدول الداعمة لهذه الفصائل التي تنازع بعضُها مع بعضها، في نوبات اقتتال أبهجت النظام وحلفاءه. وأن يكون هناك 1700 منظمة مجتمع مدني سورية معارضة، فذلك يعني، من بين حزمة معانيه، أن العاملين في النشاط الأهلي والمجتمعي ليسوا أقلّ بؤساً من الذين ستعاني كثيراً بشأنهم، في محاولتك فرز الفاعل والنظيف في تشكيلاتهم العسكرية المسلحة عن الاستعراضيّ غير النظيف فيها. وعندما لا يعتصم رياض حجاب بالصمت بشأن عيوبٍ ماثلةٍ في الهيئة العليا للمفاوضات التي يتولى رئاستها (المنسّق العام)، فذلك يعني أن الرجل إنما يقصد أن ينشغل السوريون المخلصون لتضحيات شعبهم بالبحث عن صيغٍ وحدويةٍ، مهنيةٍ، خلاقةٍ، تولي اعتبار الكفاءة والقدرة والإخلاص على ما عداها. وقد تبدّى في مرافعة رياض حجاب، غير المسبوقة في شفافيتها، أنّ المحاصصات السياسية التي يقوم عليها تأليف وفود التفاوض، وينبني عليها التشكيل العام للهيئة، وغيرها من أجسام المعارضات القائمة والآفلة، ليست المثالب الوحيدة في عموم المشهد.
وكان شديد الأهمية من محاضرنا، في سوق واقف في الدوحة، أنه وجده محقّاً سؤال الأميركيين والأوروبيين عن غياب بديل مؤسّساتي لنظام الأسد، إذ لا تتعلق المسألة بشخصٍ يخلف المذكور رئيساً، وإنما بمعارضة مؤسّسية أنجزت على الأرض حضوراً يتحقق فيه مقدارٌ وازن من الشرعية، وهذا فادح الغياب، منذ أزيد من ست سنوات. كما أن رياض حجاب كان شجاعاً في دعوة أهالي الرقة ومناطق شاسعة أخرى في سورية إلى الاشتراك مع الأميركان في القتال ضد "داعش"، لما لذلك من جدوى نافعة في ملء قوىً وطنيةٍ أهليةٍ، معاديةٍ للنظام وحواشيه ومنتجاته (الكردية وغيرها)، مؤمنةٍ بقيم الثورة، مناهضةٍ للإرهاب، الفراغ الذي قد ينجم بعد طرد "داعش"، قبل أن يملأه آخرون، كما عوين في منبج شمالاً، قبل أسابيع.
المرافعة الموجزة، والتي بسطها المعارض السوري الوطني والنظيف، في ندوته البالغة الصراحة، تصلح "عرض حالٍ"، يجدر أن ينطلق منه كل حوار سوري سوري، وأيّ نقاش بين النخب الوطنية الديمقراطية السورية المعارضة، ويحسن أن تنهض "ثورةً" مستجدّةٌ في تفكير هذه النخب وتمثيلاتها، متحرّرةٌ من الإنشائيات واللغة المكابرة والتعمية على الشمس بغربال. ويضاعف من أهمية هذا الأمر ووجوبه، قول رياض حجاب ما يعرفه الكل، وموجزه أن لا شيء موجود من عمليةٍ سياسيةٍ، وإنْ تعدّدت المفاوضات منذ العام 2012. لا شيء سوى الحطام، وعمليات الفتك والقتل، والهوس الإيراني بالاستحواذ على كل سورية.. وفي المقابل، ثمّة المعارضات التي نعرف ونرى، وكذلك ما هو مضيء في كلام رياض حجاب، في رؤيته أن ثمّة، على الرغم من كل شيء، ما يحمي من اليأس، وهو أن إرادة بالتحرّر من النظام باقية وجسورة.


في الأربعاء 19 إبريل-نيسان 2017 09:50:57 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1279