أي أدمغةٍ في رؤوس"القتلة"
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري

لا تُجيز جماعة "جند الإسلام" قتل المدنيين، أما "ولاية سيناء" فلا ترى في الأمر غضاضةً.

علينا أن نشتغل كثيرا في درس هؤلاء وأولئك، وعلى أهل البحث والاختصاص في ظاهرة ما صار يسمّى "الإسلام الجهادي" أن ينخرطوا أكثر وأكثر في تتبع خرائط الإرهاب التي يقيم فيها ناس هذه الجماعات التي تنشط في مطارح بلا عددٍ في بلاد المسلمين، بل في كل الأرض ربما.

ليسوا في العراق وسورية وليبيا ومصر واليمن والجزائر فقط، هم أيضا في باكستان ونيجيريا وأفغانستان ومالي، وفي أصقاع أخرى، وتُصادفهم في روسيا وفرنسا وبلجيكا وبريطانيا وأميركا. هم عنقوديون، يتفلتون ويتسربّون هنا وهناك، في وسعهم المفاجأة والمبادأة.

إن ضربوا مسجدا للشيعة في الكويت، فذلك لا يعني أن لا يكون مسجدٌ سنيٌّ في لبنان في مرمى انتحارييهم وقذائفهم، ولا يحمي هذا وذاك مسجدا في بلدةٍ في سيناء، عرفنا بعد مذبحةٍ داميةٍ فيه أنه مقصد أهل الهوى الصوفي.

هذه التفاصيل التي تفرّق بين مذاهب وملل لا معنى لها في أعراف هؤلاء المسلمين الملتحين، الذين يعصى على أفهامنا أيُّ إسلامٍ أصابوه، ولم ندركه نحن الذين ننتسب إلى هذا الدين. تماما كما لا يحفلون بكاثوليكية هذه الكنيسة أو أرثوذكسيتها عندما "يتسنّى" لهم ضربُها وتمويت من فيها، بقنابل أو رصاص أو ما شابه، في القاهرة أو الإسكندرية أو بغداد، أو في أي ناحيةٍ في الهند أو في سورية.

الإنسان في المطلق هو الغرض، لا لشيء إلا لتظهير قوة هذه التنظيمات التي تتناسل من نفسها، وتتوزّع في غير صحراء وبلدة ومدينة، وأيضا لتغليب التخويف والإرهاب في الجموع، وفي السلطة في هذه الدولة الخارجة عن صحيح الدين، أو تلك الكافرة بوضوح ظاهر.

مقدّرةٌ بحوث المشتغلين ودراساتهم التي تفكّك شؤون هاته المجموعات التي تتوسّل الإرهاب في برامجها (إن كانت هذه المفردة جائزة هنا)، غير أن ثغرةً ما تزال قائمة، تلك التي تتعلق بأدمغة هؤلاء البشر، بأمخاخهم المقيمة في رؤوسهم.

هذا الذي أمر باقتراف المذبحة في ناس بلدة الروضة المصرية في أثناء صلاتهم الجمعة في المسجد، أيُّ دماغٍ في رأسه أين وجد في الإسلام ما يجيز هذه المقتلة؟ أفلت القاتلون، وهم نحو ثلاثين على ما قالت النيابة العامة، بعد أن رموا الناس في المسجد بالرصاص والقنابل، وأزهقوا أرواح أكثر من ثلاثمائة، وجرحوا أكثر من مائة، وكأن مراد هؤلاء "الجهاديين" هو الإجهاز على الجميع.

وإذا صحّ ما ذاع أنهم انتظروا وصول المسعفين ليمطروهم أيضا بما يتيسّر من الرصاص في وليمة القتل هذه، فإننا نكون أمام شذوذٍ يقيم في عقول هؤلاء المنتسبين إلى الجنس البشري، يعصى على أي قريحةٍ أن تعرف حدودا له. يشبه هذا الفعل ما رُوي عن مجازر اقترفها أعداء في مدنيين من ضفّة أعدائهم.

كان المشتهى أن تُمسك القوة العسكرية التي وصلت إلى موقع الجريمة، متأخرةً كما العادة، بأحدٍ من القتلة، لكنهم كانوا بارعين، فلم يُقبض على أيٍّ منهم. كان مهما أن يُستمع إلى ما سيقولون، إلى شيء عن الإسلام الذي يعرفونه ولا نعرفه، إلى غرضهم مما فعلوا؟ هل أرادوا إقامة دولة الإسلام لمواجهة دولة الكفر الماثلة قدّامهم، والتي لا تراها أبصارنا.

لمّا أقدم ثمانيةٌ من عناصر "طالبان باكستان" على قتل 132 تلميذا في مدرسة ابتدائية في بيشاور في ديسمبر-كانون الأول 2014، طالعنا أنهم التزموا أوامر زعيم الحركة، الملا فضل الله، أن يوجّهوا الرصاص إلى رؤوس التلاميذ ما أمكن، وقد فعلوا على ما ذكرت الأخبار في حينه.

تُرى، هل استحسن الداعشيّ النّحرير الذي ابتعث هذا النفر من "المجاهدين" تحت إمرته ليقتلوا المصلين في مسجد بلدة الروضة المصرية طريقةً دون غيرها في رمي الأعيرة النارية، أم أنه آثر أن تكون النازلة كيفما اتفق، لتُحدث أقصى مراتب الجزع بين المتبتّلين إلى الباري، وهم منصرفون إلى عبادته ومرضاته؟ هل ابتهج لمّا بلغه موت الكثيرين الذين ماتوا، وغشيتْه سويداءُ في جوانحه من أقدارٍ كتبت للجرحى أعمارا جديدة.

ولكن، عمّن نتحدث- من هو-من هم الذين اقترفوا ما تحدّى استيعابُه مداركَنا؟ إلى متى سنبقى نحكي عن أشباح-بعد كم مذبحة وكم موت سنعرفهم، وجها وجها واسما اسما.


في الإثنين 27 نوفمبر-تشرين الثاني 2017 04:42:30 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1436