شادية : أيضاً وأيضاً
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري

كانت شادية في نحو السادسة والخمسين لمّا اعتزلت الغناء والتمثيل، وانسحبت من الحياة العامة، وانقطعت في وحدتها إلى التبتل والتعبّد (كانت تؤدّي أيضاً صلوات الضّحى والوتر والقيام). ونُقل عنها في هذه الغضون، وقد صار اسمها الحاجة شادية، اعتزازها بكل لحظةٍ في سيرتها الفنية.

وقالت لسكينة فؤاد إنها فخورةٌ بكل ما قدّمته للناس، وإنها اجتهدت كثيراً لإسعادهم.

ولافتٌ أنها كانت تتحدّث، في أثناء تنسكّها هذا، عن عملٍ كانت تقوم به، عن شُغل، "لأن العمل كل حياتي وعيشي ورزقي"، فلم تكن تعمل من أجل الفن نفسه، وليس حباً في الأضواء، على ما أوضحت بنفسها.

وهذا بالضبط هو حالها، فغزارة أفلامها وأغنياتها ملفتةٌ إلى حدٍّ مدهش، ففي أربعين عاماً شاركت في 112 فيلماً، بأدوارٍ متنوعة، بل إنها في واحدٍ من هذه الأعوام قدمت 14 فيلماً (!)، ولها نحو خمسمائة أغنية. طاقة العمل هذه لديها باعثٌ مضاعفٌ للإعجاب بها، وهي التي قال رجاء النقاش مرّة إنه يتبرع بجائزةٍ كبرى لمن يعثر على شخصٍ لا يحبّها، مغنيةً وممثلة.

ولكن، أين تفوّقت شادية، في الغناء أم التمثيل؟ وهي التي أدّت كل الأدوار (لقب دلوعة الشاشة غير دقيق تماماً)، الفلاحة والأم والأرستقراطية والخادمة والمومس و، وفي أغنياتها ثمّة العاطفي والوطني والرومانسي والخفيف والأمومي والشعبي وكله.

يوفّر كتاب الزميل سامي كمال الدين، "سيرة شادية" (دار العين، القاهرة، 2012، ط 2) نص مقابلةٍ حواريةٍ متبادلة بين شادية وأنيس منصور، بثتها إذاعة صوت العرب في 1964، تجيب فيه شادية على سؤال منصور لها إن كانت مغنيةً أم ممثلةً إنها ممثلةٌ مشتغلة بالغناء فكرة الشغل لديها قديمة إذن.

ولكن، هل هذا حقيقي؟ هناك من نصحوها، في سنوات حضورها الغزير على شاشات الخمسينيات والستينيات في السينما المصرية، بأن لا تغنّي في أفلامها، حتى لا تلتبس صفتُها ممثلةً لدى مشاهديها، فلم تأخذ بهذا الكلام، بل إن المنتجين وصنّاع السينما المصرية كانوا حريصين على تنويع نجمة الشبّاك في حينه، مغنيةً وممثلةً، وكان اسمها "بيّاعاً".

وقد لا يكون توصيف شادية نفسها ذاك، في منتصف رحلتها في الفن التي دامت أربعين عاماً، دقيقاً تماماً، والأدقّ منه ما سمّته مقالةٌ جيدةٌ عنها نشرت أخيراً "إجماعاً" على أن شادية أعظم مطربة مثّلت.

ومن مفارقاتٍ في أمر مغنيتنا أن أنيس منصور يسألها، في تلك الدردشة الإذاعية العتيقة، عن محمد عبد الوهاب، وهو الذي أفادنا مؤرشفو سيرة شادية، بمناسبة وفاتها أخيراً، بأنه لم يلحن لها سوى أغنية واحدة (هناك من ذكر أنهما اثنتان)، فتجيب إنه "يفهم كل صوتٍ ويعطيه ما يليقُ به، غير أن عبد الوهاب قال مرّة إن شادية صوتٌ بتلاتة تعريفة وفن بمليون جنيه.

وواضحٌ أن الملحن العتيد والموسيقار الأستاذ، لم يكن متحمّساً لصوت شادية، غير أنه محتار، في الوقت نفسه، بالفن الوفير في كل أدائها، وفي حضورها، بالبهجة التي تشيعها في غنائها وتمثيلها.

ولا أظن هنا أننا مضطرّون للاستسلام لرأي عبد الوهاب هذا في صوت شادية، عند الاستماع لأيّ من روائعها، ومنها مثلاً "آه يا اسمراني اللون" و"غاب القمر يا ابن عمي" والأغنية البالغة الفتنة "قولوا لعين الشمس ما تحماشي"، والتي كسب الشيخ عبد الحميد كشك مالاً كثيراً من بيع "كاسيتات" شتيمته لها في خطبه عنها، "لأن كاتباً زنديقاً يُصدر فيها أمراً للشمس"، على ما كان طول لسانه يثرثر عن كاتب الأغنية، مجدي نجيب.

الحديث عن رحلة شادية، وشخصيتها، وجمال فنها، مثيرٌ للاسترسال، غير أن هذه السطور تُختتم بإشارةٍ إلى واحدة من مفارقات الأقدار، موجزها (التفاصيل في كتاب سامي كمال الدين) أن شادية رفضت، وهي فتاةٌ لم تبلغ العشرين عاما، شابين تقدما للزواج منها، اشترط كلٌّ منهما عليها الكفّ عن الغناء والتمثيل، وكانت في بواكيرها، فرفضت، غير أنها أحبّت شاباً صعيدياً وأخلصت له، وتمّت خطبتهما، وطلب الشيء نفسه ووافقت من دون تردّد، واستُدعي الشاب للجيش في حرب 1948 في فلسطين، واستشهد هناك.

وحزنت عليه شادية كثيراً، وقالت بعد سنواتٍ إنه لو عاش لتغيّرت حياتها كلها، ولأصبحت زوجةً سعيدةً وأمّاً لأربعة أو خمسة أطفال تخيّلوا لو أن الأقدار لم تمضِ إلى مسارها الذي نعرف، وتوقّفت فاطمة أحمد شاكر (شادية) عن تطوير موهبتها الغضّة آنذاك كيف كان الفن العربي سيصير، وليس بين نجومه فنانةٌ بديعةٌ اسمها شادية؟


في الجمعة 01 ديسمبر-كانون الأول 2017 04:39:06 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1447