في مسألة صبيح المصري
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري

لم يتزيّد أي من الزملاء الذين كتبوا أن صبيح المصري واحدٌ من عناوين الأمن الاقتصادي الوطني الأردني. ولذلك اقترنت "الصدمة" في الأردن، شعبيا ورسميا، من احتجاز السلطات السعودية الرجل بمقادير من القلق على شأن اقتصادي داخلي، بالغ الحيوية والأهمية. ولمّا ذاع، ظهيرة أمس، خبر الإفراج عنه، مع تصريح نسب إليه إنه بخير، ويعود إلى عمّان قريبا، فإن هذه الأخبار كانت ضروريةً لإزاحة الضيق الواسع الذي أشاعته الأنباء عن اعتقال رجل الأعمال الناجح، وهو في طريقه إلى المطار في الرياض مغادرا، غير أن أرطالا من الضيق نفسه تبقى قائمةً، بل والسخط ربما، من السلوك السعودي الذي تعامل مع هذه المسألة الحسّاسة باستخفافٍ كثير، فلم يكترث مطبخ القرار في المملكة بأهمية نشر خبر رسمي يوضح الاحتجاز.

وحتى مساء أمس لم يصدر عن الرياض خبر الإفراج، ربما بذريعة أن المصري يحوز الجنسية السعودية، ما يُجيز للأجهزة المختصة أن تفعل ما تشاء بصدده، من دون أن تكون مطالبةً بأي التزام، من قبيل إذاعة أي شيءٍ عنه، إلا في الساعة التي تراها مناسبةً لذلك، تبعا لحساباتها.

أما الوزن الخاص والثقيل الذي يشكله صبيح المصري في بلده، الأردن، فإنه يخص الأردنيين، ولهم أن ينشغلوا بالتخمين والتنجيم، بل والتباري في ما بينهم إذا أرادوا، ما إذا كان الحاج أبو خالد محتجزا لاتهامه بفسادٍ ما أم أنه مستنطقٌ بشأن قضايا تخصّ متهمين آخرين، وهذه ملاعب التواصل الاجتماعي متاحةٌ للخوض في الأمر كما يشاؤون.

ولهم في الأثناء أن يجتهدوا ما إذا كان منع الملياردير المعروف من مغادرة الرياض، وإدراج اسمه في قصة مكافحة الفساد الذائعة الآن في المملكة، من قبيل الضغط السياسي على الأردن. وللفضائيات العربية، المغرضة خصوصا، أن تخوض في هذا الكلام، فذلك كله من مشاغل الآخرين،

وليست عقولُهم في المملكة صغيرةً حتى يحفلوا بما يدردش عنه غيرُهم، صحّت نمائمهم أم لم تصح. 

واضحٌ أنها مشكلةٌ مستعصيةٌ في العقل الحاكم الراهن في الرياض. لا يرى في العالم غير حساباته ورهاناته وخياراته، وليس عليك إلا أن تتبعها، وإذا رأيت أمرا آخر، فلا تتوقع الرضى السعودي، بل لا تستبعد الغضب الذي يجد قنوات تصريفه في ألف وسيلةٍ ووسيلةٍ. ليس مقبولا من ملك المغرب أن لا يشترك في حصار قطر، أما أن يحاول التوسّط بين الدوحة والرياض فأمر عصيٌّ على الاحتمال.

وأن لا يستجيب ملك الأردن للطلب منه عدم مشاركة شخصه في قمة القدس الاستثنائية في إسطنبول فذلك يعني أن يتحمّل تبعاتٍ منظورةً وغير منظورة لذلك. أما صبيح المصري فهو بخير، وعومل باحترامٍ في أثناء استجوابه، لكن المملكة غير مطالبةٍ باحتساب الحساسية الخاصة لوضعه الوازن في الأردن، ولا لتبعات أي اهتزازٍ قد يلحق باسمه. والمرجّح أنها صحيحةٌ الأخبار عن اتصالاتٍ أمنيةٍ وسياسيةٍ عليا نشطت بين عمّان والرياض ليتم الإفراج عن صبيح المصري، غير أن الأنباء التي تتابعت لاحقا عنه "إفراجا مشروطا" بتسويةٍ ماليةٍ، يلزم أن يجريها بشأن قضايا فسادٍ تردد أنه تم اتهامه بها، تعني أن القضية ستتدحرج إلى تفاصيل ستكون لها تداعياتها المقلقة على الأردن، أقلّه بالنظر إلى موقع صبيح المصري في القطاع المصرفي والبنكي المحلي.

طبيعيٌّ أن من حق العربية السعودية أن تتابع أيا كان بشأن أي اتهاماتٍ ضده، بالفساد أو غيره، إلا أن الذي قدّامنا منقوصُ الشفافية، لا يتوفر على أيٍّ من الشروط الإجرائية البديهية في أمورٍ ثقيلةٍ تخص أسماءً ثقيلة المكانة والثروات.

وفيما يتعلق بصبيح المصري، فإن هذه الشروط ليست وحدها ما ينبغي توفرها قدّام كل الأعين والأبصار، وإنما أيضا أعلى مراتب الشفافية الكاملة، مع المصداقية التامة، والمحسوبة بكل حذر واحتراز، فلا يجوز بأي حال أن يكون هذا الرجل (تحديدا) موضوع ثرثرةٍ وخراريف تأخذه من مطارح إلى مطارح أخرى، في ساحات "فيسبوك" و"تويتر"ولذلك، فإن أولى أولويات الحكومة الأردنية في هذا الملف هو أن تُلزم نظيرتها السعودية بوقف هذا الغموض المخاتل والمراوغ، بشأن رجل من تفاصيل الأمن الاقتصادي للبلد، وتحريره من "شبه الإقامة الجبرية" التي يخضع لها، وإشهار التفاصيل بصدده بوضوح.


في الإثنين 18 ديسمبر-كانون الأول 2017 05:40:52 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1469