أنظمة عربية ما يغلبهاش غلاب
صحفي سوري/خطيب بدلة
صحفي سوري/خطيب بدلة

كانت الوحدة بين مصر وسورية (1958- 1961) ارتجالية، وعاطفية، وخطابية، وإنشائية. لذا كان على الرجال الوحدويين الذين حَلُّوا الأحزاب، وشطبوا الحياة السياسية، وكمّموا الأفواه، وأطلقوا يد "المكتب الثاني" لاعتقال المواطنين وتعذيبهم، أن يُكملوا معروفهم، ويُتحفونا بالأغاني العاطفية ذات الألحان التطريبية العذبة، كأغنية محمد قنديل التي يقول فيها: وحدة ما يغلبها غلاب، يباركها وحدة أحباب، يوصلنا من الباب للباب، ولا حايل ما بين التنين، ولا مانع ما بين التنين، ولا حاجز ما بين التنين، ثم يتابع مترنماً بمنظر رومانسي مُتَخَيَّل فيقول: أنا واقف فوق الأهرام، وقدامي بساتين الشام.

ثم كَرَّتْ مسبحة الأغاني الوحدوية الثورية، فسمعنا من شحرورة الوادي، صباح، أغنية "حموي يا مشمش"، وأغنية "من موسكي لسوق الحميدية". إضافة إلى أغاني كبار مطربي تلك الأيام التي كانت تمتدح الرئيس جمال عبد الناصر، الرائدَ الأول للارتجالية القيادية السياسية، أولَ شخصية عربية استطاعت أن تصل إلى مستوى ما تعرف في الأدبيات السياسية "عبادة الفرد".

منذ مطلع سبعينات القرن العشرين، بعد انطواء صفحة عبد الناصر، سارت الحياة السياسية في مختلف الدول العربية على منوال الأنموذج الناصري. وبضمن ذلك الدول ذات الأنموذج المَلَكي، فصارت الجماهيرُ العربية "الكادحة" تخرج إلى الشارع، مدجّجةً بالأعلام واللافتات والصور، ومستعدة للصياح والغناء والرقص إذا مرض (الرئيس/ الملك)، وإذا شفي، وإذا انتكس، وإذا شفي مجدّداً، وإذا سافر محمولاً بالسلامة، وإذا عاد مصحوباً بالسلامة، وإذا استقبَلَ، وإذا وَدَّعَ، وإذا صمد، وإذا تخاذل، وإذا تشاجر مع شقيقه لأجل الحكم، وإذا تصالحا، وإذا حملت زوجتُه، وإذا ولدت، وإذا خُتِنَ المولود، وإذا تمسّك بالحقوق، وإذا تنازل عنها وفَرَّط بها، وإذا رفض استقبال لجنة التفتيش الدولية، وإذا رضخ موافقاً على استقبالها.

وإذا أراد أحد الحكام أن يقلد عبد الناصر في موضوع الاستقالة، على جماهيره أن تخرج، عن بكرة أبيها، لترغمه على العدول عن الاستقالة، بوصفه ضرورةً تاريخية، وحتمية مرحلية، استراتيجية وتكتيكية.

تفاقمت حالةُ حب القائد في بعض الدول التي تبنّت النهج القومي الاستبدادي، كسورية والعراق وليبيا، فأنتجت أنظمةً فرديةً فاشستيةً، لا توجد حدود أو آفاق لإجرامها وتنكيلها بشعوبها.

وإن كان لعبد الناصر جماهير، وعشاق حقيقيون، يفدونه بأرواحهم، فإن الجماهير السورية، مثلاً، كانت تَخرج غصباً عن الذين خلفوها، لتهتف باسم حافظ الأسد، ومن لا يخرج بالحسنى يودعْ، عشرات السنين، في سجنٍ أو معتقَلٍ لا يصلح لسكنى الماعز والحمير والقرود والخفافيش والديدان، ويعيش في ذلك المعتقل من قلة الموت، وليس له في هذا العالم أهلٌ أو قيودٌ أو سجلات.

ومثل هذا، وربما أشدّ منه، كان يحصل في العراق، ومما يروى عن القائد التاريخي الضروري "صدّام العرب" أنه سئل، ذات مرة، عن المعتقلين السياسيين الموجودين في سجونه، فقال: إحنا ما عَدْنا معتقلين سياسيين، أكو شوية عملاء يلقون جزاهم وأما عَدْنا (عندنا) في سورية، فقد رويت حكاية باهرة عن المعتقلين السياسيين في سجن تدمر، وهم تشكيلة من عناصر حزب العمل الشيوعي، والمكتب السياسي جماعة رياض الترك، وما تعرف بجماعة بعث العراق، وجماعة بعث صلاح جديد، إضافة إلى الأحزاب الناصرية اليسارية، والأحزاب ذات الطبيعة الدينية، فقد أُخرجوا من مهاجعهم ذات يوم في الثمانينات، وعوملوا معاملة الحد الأدنى من الاضطهاد، وجُمعوا في إحدى باحات السجن، ووضعت أمامهم شاشة تلفزيونية، وقيل لهم إن القائد العظيم، حافظ الأسد، سيُدلي بحديث تلفزيوني هام لصحيفة أميركية شهيرة.

وبالفعل، أجريت المقابلة، وخلالها سئل القائد عن تقارير استخباراتية عالمية تقول إن لديه سجوناً سرّية فيها أعداد ضخمة من المعتقلين السياسيين، فقال، والمعتقلون يتفرجون عليه أبداً، لا يوجد لدينا معتقلون سياسيون. في سورية محاكم، وسجون جنائية ومدنية، فقط.


في الأحد 24 ديسمبر-كانون الأول 2017 03:40:57 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1483