إلى إيران 2018
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري

أما وأن هناك أعداءً لإيران يتربّصون بها، ويريدون الإيقاع بنظامها، كما قال بعضهم في الجمهورية الإسلامية، فذلك صحيح، غير أنه ليس صحيحا أن في وسع أولئك الأعداء المتربّصين أن يصنعوا شيئا في الداخل الإيراني، لأسبابٍ كثيرة وعويصة.

ولأن الأمر كذلك، من الأصلح للحاكمين في طهران أن لا يسوقوا كثيرًا في قصّة الأيدي الخارجية التي تدعم الاحتجاجات الشعبية المتواصلة في بلدهم، منذ الخميس الماضي، والتي ما أن نشبت في مشهد (ثاني مدينة دينية في البلاد ومسقط رأس المرشد خامنئي) حتى وصلت إلى طهران و12 مدينة أخرى. وبينما ليس في الوسع تماماً أن يقع المراقب من الخارج على أكثر السيناريوهات ترجيحا بشأن المدى الذي قد تبلغه هذه الاحتجاجات، المطلبية في دوافع المشاركين فيها وفي هتافاتهم، فإن من المقدور أن يُحسم أن عام 2018 الذي عبرنا إليه اليوم سيشهد إيقاعا آخر في أداء الحكم بشأن معالجاته الاقتصادية العامة، سواء ضبطت السلطات الاحتجاجات، وأوقفتها عند حدود مقتل اثنين من المتظاهرين حتى ظهيرة أمس، أو تدحرجت تعبيراتُ الغضب، غير الهيّن في البلاد، إلى مستوىً أوسع زمنا وأعرض جغرافيا وأمضى إحراجا للسلطة. والإيقاع، المؤكّد هنا، يعني إجراء هذه السلطة مراجعةً بشأن خيارات التعامل مع سخطٍ ظاهر في الشارع على غلاء في الأسعار (المحروقات أخيرا)، وعلى تناقصٍ في فرص عمل الشباب، وارتفاع البطالة بينهم عمّا كانت عليه قبل عام (12.4%، بحسب إحصاء إيراني رسمي، و12.7% بحسب البنك الدولي). 

قد لا تعدو هتافات الموت لفلان أو علان في بعض المظاهرات أن تكون فشّة خلق، لكن هتاف "فكّروا فينا"، في صيحاتٍ تطلب الانسحاب من سورية،وتزيد "لا للبنان ولا لغزة.

نعم نعم لإيران"، يعني أن وعيا ذائعا بين إيرانيين كثيرين أن الإنفاق على حروبٍ في الخارج، وعلى أذرعٍ مرتبطة (لم يذكر المحتجون العراق؟!)، هو من أسباب ما يُؤثّر على عيشهم الذي صار يضيق، مع نقصان المداخيل، ومتاعب الحياة ومصاريفها وأكلاف التزاماتها، لا سيما وأن الآثار الإيجابية اقتصاديا على البلاد للاتفاق النووي مع الغرب، الموقّع في 2015، لم تتحقّق بالمدى الذي كان موعودا به، خصوصا أن همّة دونالد ترامب في التأليب على هذا الاتفاق معلنة، ومتوقعٌ أن تواظب عليها إدارته بوتيرةٍ أعلى صوتا في 2018. وبعيدا عن الدعائية الظاهرة في قول المعارِضة، شيرين عبادي، عن أزمةٍ اقتصاديةٍ خطيرةٍ في بلادها، فإن ذلك لا يعني التهوين من مقادير النقمة الحانقة لدى الإيرانيين من خيبةٍ يشعرون بها مما يلحظونه من قدراتٍ عسكريةٍ متعاظمة لبلدهم، فيما تتردّى أحوال قطاعات غير قليلة منهم، مع الحقيقة الماثلة أمامهم عن اتّساع الفساد الذي يضع إيران في المرتبة الرابعة والعشرين (من مائة) في قائمة منظمة الشفافية الدولية للعام 2017.

ليس ضرباً في الرّمل أن يُقال إن مطابخ صنع القرار الإيراني ستعثر على الصيغة التي تمكّنها من تطمين مواطنيها بإجراءاتٍ عمليةٍ منظورة، تجعلهم يشعرون بأن شيئا جدّيا أقلق الحكم، فسارع إلى إرضاء الجمهور.

وليس عسيرا أن يقع العقل الناظم للسلطة، في أعلى مراتبها، على "التوليفة" التي تُنجي مؤسسة الحكم من أي "ربيعٍ" قد يجعل الأمور تفلت من بين يديها. وما يطمئن هذه السلطة أن بواعث الاحتجاجات مطلبيةٌ اجتماعيةٌ اقتصادية، ولا تضرب في عصب السلطة وهيكليتها. ويطمئنها أكثر معرفتها بأن أمرا كهذا لا بد من التعامل معه بحذرٍ وتحسّبٍ كثيرين، أي الحزم الموصول بالتنفيس، وبتراجعاتٍ محتملةٍ عن قراراتٍ مزمعةٍ، وإشهار وعودٍ غير مستحيلة التحقّق، مع شيء من الديماغوجيا اللازمة بشأن الأعداء في الخارج ومؤامراتهم (ترامب ذخيرة جيدة في هذا). وليس ثمّة استعجال هنا في هذا "التنبؤ"، وإنما المنطق العام، والقياس على مقاطع في مشاهد سابقة، يزجيان إليه بعض الوجاهة. أما إذا حدثت ثورةٌ، ومضت الأمور إلى مفاجآتٍ وتطوراتٍ غير منظورة، فعندها لا غالب إلا الله. وفي أي من الحاليْن، ستنعطف إيران في 2018 إلى تفاصيل جديدة، مؤكّد أن بينها انسحابٌ محسوبٌ من سورية، ليس كاملا بالضرورة.


في الإثنين 01 يناير-كانون الثاني 2018 06:33:07 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1501