هل رفرفت فوق مشهد فراشة
الكاتب الصحفي/وائل قنديل
الكاتب الصحفي/وائل قنديل

على الرغم من توفر كل العوامل المحفّزة على انفجارها، جاءت احتجاجات إيران، كما أكثر الحركات الاحتجاجية في النظم الأوتوقراطية، من دون إشارات أو كثير مقدّمات. ولم يقلل من وقعها أن لإيران تاريخا احتجاجيا مديدا، يمكن تتبعه منذ الثورة الدستورية عام 1906.

وواقع الحال أن إيران تشهد، منذ سقوط نظام الشاه وقيام الجمهورية عام 1979، حركة احتجاجية واسعة تنفجر على رأس كل عقد تقريبا، فكانت احتجاجات عام 1992 على خلفية قرار الحكومة استرداد "أراضي الشيوع" المستولى عليها، ثم جاءت الاحتجاجات الطلابية في جامعة طهران عام 1999، ثم احتجاجات ما سميت "الحركة الخضراء" التي فجرتها عملية تزوير الانتخابات الرئاسية عام 2009.

مع ذلك، كان النظام يتمكّن، في كل مرة، من احتواء الاحتجاجات، وإفشال مسعى إضعافه، دع جانبا مسألة إسقاطه. ويعتمد النظام الإيراني، في هيمنته مجتمعيًا، على ثلاثية السيطرة التقليدية المتمثلة بقبضةٍ أمنية شديدة، يمارسها من خلال أجهزةٍ رسميةٍ، وموازيةٍ، قوامها تنظيمات شبه عسكرية مثل الباسيج (قوات التعبئة) ومليشيات مثل "أنصار حزب الله" وغيرها، وسيطرة أيديولوجية تقوم على خليطٍ من شعارات قومية ودينية، تؤمّن شرعية نسبية للنظام، يزداد تأثيرها عند تعرّض البلاد لتهديد خارجي (الذي يعد حقيقياً كان أو مُصنعاً أحد أسباب قوة النظام) والسيطرة الاقتصادية، وهي أهم أدوات النظام في ضبط المجتمع.

وعلى الرغم من كل مظاهر الكبرياء القومي، ومحاولات النهوض، وعلى الرغم من أنها دولة "عتيقة" تعود جذورها إلى الدولتين الصفوية والقاجارية، إلا أن إيران تبقى دولةً ريعية، تعتمد على صادراتها من النفط والغاز (80% من موارد الخزينة العامة).

وتعاني إيران لذلك من كل مشكلات الدولة الريعية العالمثالثية، من فساد وسوء إدارة، وسوء توزيعٍ للثروة، وفقر وتهميش لقطاعات واسعة من السكان.

وبحسب تقديرات إيرانية ودولية، يعيش نحو 40% من السكان (30 مليونا تقريبا) في حالة فقر نسبي، فيما يعيش نحو 15% تحت خط الفقر الأدنى (نحو 12 مليونا). لكن ما يميز إيران أيضاً أن الدولة تسيطر على أكثر من 70% من الاقتصاد، ما يجعلها المشغل الوطني الأكبر، وبنسبة تصل إلى 82% من حجم القوى العاملة في البلاد، وهو رقم لا نكاد نجد له مثيلا بين دول العالم.

جزء من هذه السيطرة يمارسه الحرس الثوري الذي يتحكّم بنحو 40% من اقتصاد البلاد من خلال ملكيته أكثر من 800 شركة مسجلة داخل إيران وخارجها، في مقدمتها شركة خاتم الأنبياء، فيما تسيطر ما تسمى الشركات التعاونية (بونياد) التي تعمل في كل القطاعات تقريبا، والمعفاة أنشطتها التجارية من الضرائب، على نحو 20% من الاقتصاد.

وهناك أيضاً ما تسمى "هيئة تنفيذ أوامر الإمام"، المعروفة اختصارا بـ"ستاد"، والتي تشرف على إدارة الأملاك والعقارات التي تعود إلى طبقة ملاك النظام الشاهنشاهي، ويصل حجم أعمال هذه الهيئة التي تنشط في كل القطاعات الكبرى تقريبا، من البنوك والنفط الى الاتصالات والصناعة، إلى مائة مليار دولار. وتخضع الهيئتان مباشرة لمكتب المرشد، وتقدمان حزمة خدمات اجتماعية واسعة، تعتمد عليها ملايين الأسر الإيرانية الفقيرة والمعدمة. وبحسب الحكومة، فإن نحو 40% من القوة العاملة في القطاع العام فائضة أو أنها غير كفؤة (بطالة مقنّعة)، لكن الدولة تستمر في الاحتفاظ بها باعتبارها جزءا من عملية توزيع الريع والسيطرة، على الرغم من العبء الكبير الذي تمثله.

اندلاع الاحتجاجات واتساع نطاقها يعنيان أن النظام، على الرغم مما يملكه من أدوات سيطرة، يعاني من صعوباتٍ متزايدة في عمليات الضبط الاجتماعي، خصوصا مع تزايد الفئات العمرية الشابة والمتعلمة، وازدياد الفجوة بين توقعاتها وقدرة الحكومة على تلبيتها. هذا لا يعني، من جهةٍ أخرى، أن النظام هش، أو أنه آيل للسقوط، إنما هناك كثيرون يتطلعون إلى استثمار أزماته والاشتغال به، لمَ لا وهو الذي لطالما استثمر في أزمات الآخرين، واشتغل بهم، فهل نشهد سيناريو سورية في إيران؟ وهل رفرفت فوق مشهد فراشةٌ لتكون منطلق أزمة كبرى؟ أم أن المعمّمين أكثر فطنة؟


في الأربعاء 03 يناير-كانون الثاني 2018 05:47:31 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1505