تفاصيل جزائرية
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري

طيبٌ من الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، أنه وجّه بمنع الملاحقات القضائية بحق الصحافيين والمعلقين ورسامي الكاريكاتير الذين يتعرّضون له (رئاسته مع اعتلال صحته) بالرسم أو الكتابة. ومصادفةٌ حسنة أن رئيس الحكومة، أحمد أويحيى، أعلن هذا الأمر، قبل واقعة تكريم مسؤولين صورةً للرئيس بوتفليقة، في قصر المؤتمرات في العاصمة، بوضع وشاحٍ عليها، ثم التصفيق لها وأمامها، تقديرا لجهود صاحب الصورة، (أو رئيس الجمهورية)، للنهوض بالتنمية المحلية. وقد أشعل هذا المشهد العجيب سخريةً غزيرةً في الجزائر وخارجها، وأدرجته تعليقاتٌ حاذقةٌ في "واقعيةٍ سحريةٍ" تقيم فيها الجزائر حاليا.

على أن الأمر بالغ الجديّة، ويكشف مبلغ ما وصل إليه اللامعقول في تعظيم الحاكم العربي، وكذا بؤس الأداء السياسي. وفيما كان الحكم في الجزائر في غنىً عن هذا المقطع العبثي المحزن، فإن السؤال وجيهٌ تماما عن حالة الرئيس بوتفليقة، شفاه الله، بالنظر إلى أنه كان مقرّرا حضوره حفل ذلك التكريم، بينما يجري حديثٌ عن عدم قدرته على النطق، وعن سوءٍ يزداد في حالته الصحية، ومعلوم أنه أصيب بجلطة دماغية قبل خمسة أعوام، لم تمنعه من العبور إلى ولايته الرابعة الحالية في رئاسة البلاد.

وفيما الأخبار تتوالى عن ذلك، فإنها تتوازى مع حديثٍ، يخفت ويصعد، عن احتمال ترشّح الرجل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل، ما دام التعديل الدستوري في 2016 يتيح له ولاية ثانية (ستكون الخامسة إن تمت)، كما أجاز له تعديل سابق على الدستور في 2008 ولايتين، ثالثة ورابعة. 

ولكن، ما الداعي للقيل والقال، والكلام الفاضي والمليان عن صحة الرئيس، وهو قادرٌ على اتخاذ قرار بالغ الحاجة لكل مقتضيات الدرس والفحص والتدقيق؟ لقد ألغى، قبل أيامٍ من حادثة تكريم الصورة، قراراتٍ اتخذها أخيرا "مجلس مساهمات الدولة"، وتقضي بفتح رأس مال شركات عمومية للقطاع الخاص، وهو مشروع خصخصةٍ تحمّس له رئيس الحكومة أويحيى، في محاولاته معالجة وضع مالي صعب للدولة.

هل جاء قرار بوتفليقة ليؤكد لياقته الذهنية، ودرايته بما يلزم مواطنيه الجزائريين وما لا يلزمهم، أم أن "حكومة ظل" (يقال إنها برئاسة سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس) تقف وراء مباغتة أويحيى بوجوب أن تعرف حكومته حدود مساحات حركتها، في شأن اقتصادي بالغ الحساسية؟ ولكن رئيس الحكومة كان بالغ الصراحة، في تصريحاته المتتالية عن ضيق مالي كبير تغالبه الدولة، ولم يزيّن أي حال، ولم يعمد إلى بيع أي أوهام للمواطنين، بل لم يعدهم بما ليس في مقدور حكومته أن تفعل.

وبذلك، لم يزايد عليه الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، جمال ولد عباس، لمّا تحدث عن احتقان اجتماعي، وعدم استبعاد ظهور "بوعزيزي" جزائري، في إيحاء لتوقع ما شهدته تونس بعد حرق ذلك الشاب نفسه.

ليس الجزائريون في شغل كثير بقصة الرئيس وصحته، وما إذا كان سيذهب العام المقبل إلى ولاية خامسة أم لا، ولا بطموحات أحمد أويحيى المخاتلة بالرئاسة، ولا بكل الثرثرة في البلاد عن "صراع" هذه الأجنحة مع تلك في السلطة. فهذه الأمور، وأمثالها، ليست شديدة الإلحاح على عيش الجزائريين اليومي، وثمّة قلة اكتراث مهولة منهم في الشأن السياسي، من تعبيراته ازورارهم عن الاقتراع في الانتخابات، النيابية وغيرها. 

إنه الاقتصاد أولا وأخيرا، أو على الأصح إنها تصاريف الحياة التي تزداد صعوبة، مع تسارع ارتفاع أسعار السلع، كما جرى أخيرا، بين 30% إلى 50%، ما قد لا يعني شيئا أمامه منع استيراد أكثر من 800 سلعة، صنّفت غير ضرورية. ثمّة تناقصٌ شديدٌ في القدرة الشرائية، مع فقدان الدينار الجزائري 35% من قيمته في العامين الأخيرين، وثمّة فرص التشغيل الشحيحة.

وإلى هذا كله، وغيره كثير، يتحدث أحمد أويحيى عن عدم قدرة الحكومة على سداد ديون كثيرة مستحقة لشركات عليها، وعن تجميد ثلاثة آلاف مشروع. وفي الأثناء، تتوالى صفقات السلاح مع الروس، وتنتظر البلاد مفاوضاتٍ مع صندوق النقد الدولي بعد أسابيع. .. ويتم تكريم صورة للرئيس في احتفال مشهود، وحق السخرية مكفول، ولا يأخذ مرتكبيها إلى المحاكم.
مشاركة


في الأربعاء 24 يناير-كانون الثاني 2018 02:14:51 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1529