عهد التميمي وشاعر إسرائيلي
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري

لا تتعلق أخبار الفلسطينية، عهد التميمي، ذات الستة عشر ربيعا، فقط باحتجاز الاحتلال الإسرائيلي لها، وبتوجيه النيابة العسكرية هناك اثنتي عشرة تهمةً لها، وهي التي صفعت جنديّا إسرائيليّا حاول الاعتداء عليها وعلى والدتها، في مسيرةٍ مناهضةٍ للاستيطان.

وإنما أيضا تأتي أخبارٌ بشأنها على غير هذه المرجلة الإسرائيلية السافرة، من قبيل انتشار اسم عهد التميمي في شوارع وميادين في مطارح عديدةٍ في العالم، وكذا ازدراء منظماتٍ وهيئاتٍ حقوقيةٍ وازنةٍ استقواء إسرائيل عليها.

وإلى كثيرٍ مثل هذه الأخبار، تردّد أن الملك عبدالله الثاني طلب من ضيفه، الأسبوع الماضي، نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، التدخل لدى الإسرائيليين من أجل الإفراج عن عهد، والمرجّح أن هذا الرجل لم يكترث للأمر، فقد كان معنيا بإظهار عواطفه الصهيونية قدّام مضيفيه هؤلاء، وهو بين ظهرانيهم، وتزكية القدس عاصمةً لهم. 

وفيما يحضر اسم الفتاة الفلسطينية الجسورة في تعليقاتٍ وفيرةٍ في الصحافة الإسرائيلية، كان لافتا أن لا يتم الاكتراث كثيرا بمشابهةٍ أقامها الكاتب في "هآرتس"، جدعون ليفي، وكذا يوري أفنيري، بين عهد التميمي والفرنسية جان دارك التي ناوأت الاحتلال البريطاني لبلادها إبّان حرب المائة عام في القرن الخامس عشر، غير أن زوبعةً كبرى أحدثتها قصيدةٌ للشاعر الإسرائيلي، يوناثان غيفين، لم تكتف بموازاة عهد بتلك الأيقونة الفرنسية، وإنما أضاف إليها اسمي فتاة يهودية قاتلت النازيين في الحرب العالمية الثانية، حنا سنش، والفتاة الأبرز في استدعاء الألم اليهودي جرّاء النازية، آنا فرانك التي قضت وأسرتها في محرقة النازية، وتركت مذكراتٍ ذاعت في العالم، استوحيت منها درامياتٌ عديدة.

لم تحتمل المؤسسة الإسرائيلية ما اقترفه هذا الشاعر الذي نشر قصيدته في "أنستغرام"، إذ لا يجوز في أعرافها، وفي الثقافة الصهيونية عموما، إقامة أي مماثلةٍ من أي نوعٍ بين أيٍّ من ضحايا النازية وأي ضحيةٍ أخرى في الأرض، فكيف إذا تعلق الأمر بفلسطينيين. لقد اعتبرت وزيرة الثقافة الإسرائيلية، ميري ريغيف، ما أقدم عليه غيفين (ابن أخ موشيه دايان) أمرا مرعبا، وتجاوزا لخطوطٍ حمر.

ولم تفتئت هذه المرأة، المشهورة بجزعها من قصائد محمود درويش أيضا، على الشاعر، وإنما عكس كلامها وعيا نافذا في العقل الإسرائيلي، تماما كما استفظع وزير الحرب، أفيغدور ليبرمان، بدعة يوناثان غيفين، فأمر إذاعة الجيش بعدم بث أغنياتٍ كتبها هذا الشاعر، غير أن مدير هذه الإذاعة رفض الامتثال لذلك، لفقدان المذكور صلاحية إصدار أمرٍ كهذا.

ثمّة خدوشٌ، إذن، في الجدران الصهيونية المستقرّة. ثمة وعيٌ مشاكسٌ عارضٌ، ومن المنظومة الصهيونية نفسها، تطرأ تعبيراتُه العابرة، غير أنها غالبا ما تخرج عن الإيقاع الناظم لبنيان الدولة، من قبيل صرخة ديفيد غروسمان بعد صيحة الطفلة الفلسطينية، هدى غالية، على شاطئ غزة، بعد قتل والدها وأشقائها في اعتداءٍ إسرائيليٍّ، في صيف 2006، إن هذه الفعلة معيبةٌ للصهيونية. وهذا يوناثان غيفين يبدو أكثر تقدميةً عندما يقول في قصيدته إن خمسين سنة من الاحتلال كافيةٌ لتصفع عهد التميمي، الفتاة حمراء الشعر، جنديا على وجهه.

وإذ ناصر مثقفون إسرائيليون معدودون هذا الشاعر (السكّير، بحسب حارس الحانات السابق أفيغدور ليبرمان)، من باب حرّيته في التعبير عن نفسه، إلا أنهم لم يستحسنوا "شططه"، عندما عمد إلى مجازفةٍ ربما تكون غير مسبوقةٍ (لست متأكدا) في الخطاب الانشقاقي الإسرائيلي، وضمّ معا اسمي عهد التميمي وآنا فرانك (تحديدا).

للمختصين الأعرف من صاحب هذه الكلمات أن ينشطوا في الإضاءة على هذه القضية، أي على مساحات الشقوق النافرة في الوعي الصهيوني الثقيل.

والظاهر من مطالعة نتفٍ في الصحافة الإسرائيلية، أخيرا، أن غيفين هذا مشهورٌ في قومه، وله اسمُه بين كتّاب الشعر والأغاني (وقصائد الأطفال). ولولا شجاعة عهد التميمي لكان عسيرا، ربما، أن نتوفر على شيءٍ بشأنه.

وإذا كان قد هوجم في منزله، بعد نعته يوم الانتخابات الإسرائيلية في العام 2015 بأنه يوم النكبة للسلام، فذلك يعني أن له مزاجا آخر ..


في الإثنين 29 يناير-كانون الثاني 2018 09:09:32 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1531