أكبر قوة اجتماعية في العالم
الكاتب/نجيب الوحيشي
الكاتب/نجيب الوحيشي

أثنا حضورها عرس صديقتها (سعاد) أصيبت (نورا) بمرض السكر بينما أصيب أبنها (أحمد) برهاب نفسي عنيف ، في 11 مايو 2015م إبان الضربات الجوية على صنعاء إثر الحرب الداخلية وانطلاق عاصفة الحزم بقيادة التحالف العربي الذي تتزعمه السعودية .
كانت (نورا) حريصة على حضور عرس صديقتها (سعاد) على الرغم من الاحداث الامنية التي كانت تشهدها العاصمة صنعاء ، ولقرب بيت العرس من منطقة نقم شرق العاصمة – الموقع العسكري الذي تم استهدافه بقنبلة فراغية أفزعت كل من في العاصمة وأرعبت السكان المحيطين بالمنطقة من هول وأثار ذلك الانفجار.
وهكذا مثل (نورا) في حرصها على العلاقات الاجتماعية والأسرية يكون أبناء الشعب اليمني بكل فئاته العمرية مجتمع متماسك حريص على بناء العلاقات الاجتماعية وتقوية عرى وأواصر تلك العلاقات بتعدد أسبابها من نسب ومصاهرة وقرابة وجوار وصداقة وزمالة وصحبة وعمل وتعارف وغيرها ، مجتمع يكاد يكون التكتل البشري الأول في قوة نسيجه الاجتماعي في شتى الظروف في الرخاء أو الشدة وفي الحرب أو السلام . وهذا ما كان واضحاَ ومتحققاَ في زمن الحرب والنزاعات المسلحة التي تشهدها اليمن منذ أكثر من ثلاثة أعوام .
ففي دراسة مسح بالعينة نفذها المركز اليمني لقياس الرأي العام في يوليو 2017 م عن احتياجات الشباب أثناء النزاعات المسلحة أستهدف الفئة العمرية بين ( 15- 24) سنة على مستوى جميع محافظات الجمهورية .
كان من بين نتائج هذه الدراسة أن ( 53% ) من الشباب يقضون خارج المنزل أثناء الحرب نفس الوقت الذي كانوا يقضونه قبل الحرب، و( 41%) من الشباب يقضون وقتهم الاضافي الذي اضطر لقضائه داخل المنزل بسبب الحرب في مساعدة الاسرة والاهتمام بالشؤن المنزلية ، بينما (45%) من الشباب يقضون الوقت خارج المنزل أثناء الحرب في الزيارات العائلية والاجتماعية.
فالدلالة التي أسفرت عنها الدراسة والمسح لفئة الشباب وكما هو معروف أن المجتمع اليمني في هرمة الديموغرافي يوصف بأنه مجتمع شاب – فالقوى الأكبر والأكثر ديناميكية وتأثير هي فئة الشباب ، فتكون هذه دلالة على عموم فئات المجتمع . فعدم تأثر تلك النسب إبان الحرب والنزاع المسلح عما كانت قبل الحرب هي دليل واضح ومؤشر ايجابي على قوة النسيج الاجتماعي رغم المؤثرات السياسية والاقتصادية والامنية .
محافظات ومدن كاملة بضواحيها خالية من المؤسسات الحكومية والأمنية، ومن الجيش والشرطة والنيابات والمحاكم أو أية مظهر من مظاهر الدولة الطبيعية وغياب للخدمات وتدمير للبنى التحتية وانعدام للسلع الاساسية وارتفاع للأسعار وانقطاع للمرتبات واستمرار للحروب في كل الجبهات ورغم ذلك كان السلم والأمن الاجتماعي متوفرا على قدر كبير جداً ونسبة الجريمة عادية بخلاف ما قد يكون في أي مجتمع من دول العالم في ذات الظروف.
وترجع هذه الظاهرة في جوهرها لقوة الحياة الاجتماعية ولفعل الاتفاق الاجتماعي في طبيعة العلاقات بين الناس، ولحضور القوانين وأشكال السلطة غير المرئية، أو غير المأسسة والمتغلغلة في النسيج الاجتماعي اليمني.
فالجانب الاجتماعي الذي حافظ على هذا القدر من السلم والأمن الاجتماعي في ظل غياب مظاهر الدولة ومؤسساتها الدستورية وعدم حضور مؤسسات انفاذ القانون واجهزة القضاء والنيابة والأمن، هو قاعدة أخلاقية تشكلت عبر قانون من التدافع والمغالبة لا يمكن التغافل عنه أو القفز عليه بأي حال من الأحوال، أو تجاهله عبر الآراء التي تربطه بالتخلف أو عرقلة قيام دولة النظام والقانون.
كما أن التاريخ الانساني عبر حقبه البعيدة والقريبة يؤكد ان المجتمع الانساني اليمني مجتمع عائل مترابط ذو هويه واضحة متميزة عن غيرة من شعوب ومجتمعات العالم وهذا ما يتضح جلياَ من الهجرات الانسانية اليمنية و بالأخص هجرات أبناء سبأ بعد تهدم سد مارب العظيم والفتوحات الاسلامية في صدر الاسلام.
لقد أدرك اليمنيون خصوصية قوة نسيجهم الاجتماعي باعتبار اليمن مجتمع قبلي فيه ما يقارب (400) تكتل قبلي يتفاوت في درجة تمدنه ،وجميعها لها الدور والتأثير بشكل مباشر وغير مباشر على مجريات الحياة السياسية وادارة الدولة ومن هنا كان للقبيلة الدور الايجابي البارز من خلال مشاركتهم في ثورة التغيير الشعبية 2011م ومشاركتهم في مؤتمر الحوار الوطني الشامل وعول عليها كحامل رئيسي لوثيقة مخرجات الحوار الوطني التي تعد أهم وثيقة جامعة في تاريخ اليمن الحديث شكلت خارطة طريق وخطة شاملة لبناء الدولة المدنية الحديثة.
 لكن الطبقة القيادية الانتهازية التي تشكلت على رأس هذه الطبقة الاجتماعية هي التي كانت سبب التخلف واثارة النزاعات الدموية والحروب التي كان هدفها الصراع على السلطة والثروة ، وكان الأحرى أن يتجه الساسة وقادة الفكر لبناء طبقة سياسية وقانونية من الدولة فوق هذه الطبقة الاجتماعية العميقة بما هو إيجابي في منظومتها القيمية، أو ما يمكن تسميته بالدولة الاجتماعية العميقة.
ما من شك ان القوة الاجتماعية للمجتمع اليمني قد استهدفت بتعمدِ وبشكل مباشر وغير مباشر بغرض تفتيته واثارة النعرات الطائفية والمناطقية والجهوية والمذهبية من خلال ارتفاع عدد من الاصوات والدعوات الهدامة والتشويه المتعمد في الانتهاكات اللاإنسانية للحرب من قتل وذبح وتعذيب واعتقال وأسر.. والترويج والنشر لها للرأي العام بشكل ممنهج بهدف اضعاف هذه القوة الاجتماعية ، وأخر هذه المحاولات هي استهداف بنية النسيج السياسي المساند للسلطة الشرعية من خلال الخروقات التي ترتكبها أحدى دول التحالف العربي في عدن من اعتقالات ومداهمات وتحريض ضد بعض القوى السياسية والاجتماعية.
فكل تلك الازمات المتوالية والضربات القاصمة والصراعات الدموية والحروب العبثية سواءَ الأهلية أو الدولية التي استهدفت المجتمع اليمني لا ولم ولن تحقق هدفها في اضعاف القوة الاجتماعية للشعب اليمني ، فهذه القوة الاجتماعية تعطي الشعب اليمني قوة دفاعية وشكيمة عالية وتضامن اجتماعي وسياج حامِ من استبداد الطغاة وعدوان الغزاة عبر التاريخ وتؤكد على حضارة وأصالة الشعب اليمني .
حفظ الله اليمن وكل اليمنيين،،


في الجمعة 02 مارس - آذار 2018 10:05:43 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=1548