عن سليطات اللسان في السعودية
كاتب/عبد اللطيف السعدون
كاتب/عبد اللطيف السعدون

يحار المرء في تفسير التناقض الماثل بين ما يوصف بأنه موجة تحديث في السعودية، يقودها ولي العهد الثلاثيني محمد بن سلمان، والتي من بواكيرها السماح للمرأة بقيادة المركبات، وحضور المباريات الرياضية، وإطلاق عروض سينما وحفلات سمر وغناء، والوعد بانفتاحات اجتماعية أخرى، تتجاوز مرحلة التزمت والانغلاق التي عُرفت السعودية بهما أكثر من قرنين، وما يرشح من أنباء مقلقة عبر صحف ومواقع تواصل عن وقائع تثير الأسى، وتستوجب المساءلة في ميدان رعاية الحريات الشخصية، واحترام حقوق البشر التي أقرتها المواثيق العالمية.

جديد هذه "الواقعات" اعتقال ثلاث عشرة ناشطة في مجال حقوق المرأة (أطلق سراح أربع منهن لاحقاً ممن تجاوزت أعمارهن الستين)، وهو المجال نفسه الذي أطلق بن سلمان أولى مبادراته الاصلاحية من داخله، لكنه اختص أولئك الناشطات بتهم مستجدّة في القاموس الأمني السعودي: "تقويض الوحدة الوطنية"، و"المس باستقرار البلاد"، و"الاتصال بجهات أجنبية"، و"تجنيد أشخاص يعملون بمواقع حكومية حساسة". وبحسب صحيفة عكاظ، فإن أياً من هذه التهم قد تصل عقوبتها إلى السجن عشرين عاماً، ولم يتمكّن ذووهن من الاتصال بهن، كما لم يُعرف مكان اعتقالهن.

مشكلة الناشطات المذكورات أنهن "سليطات اللسان" بتعبير صحيفة لوموند الفرنسية، فقد اعتدن على المطالبة بحقوقهن الاجتماعية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ودعت واحدةٌ منهن إلى فتح ملف "سجناء الرأي" الذين غيّبوا في السجون منذ سنين، وكنّ سبّاقاتٍ في المطالبة بالسماح لهن بقيادة السيارة، قبل حركة ولي العهد الإصلاحية بزمن طويل، وهنا مبعث حيرة المرء في تفسير التناقض الحاصل، إذ ما توقعه عديدون هو الاحتفاء بالناشطات، واعتبارهن رائداتٍ في الحركة النسوية، بدلاً من أن يتم حجرهنّ، وتعريضهنّ لحملة تشهير ظالمة.

وحيث لا بد من أن تكون حصة للرجال في حملة ولي العهد، فقد جرى اعتقال مثقفين وناشطين مدنيين ودعاة دين عديدين من "سليطي اللسان والقلم"، منهم المحامي الثمانيني إبراهيم المضيمعي، والناشط القومي العربي محمد ربيعة، والصحافي والكاتب عبد العزيز آل المسيهيل، والناشط في مجال الحقوق المدنية محمد البجادي الذي سبق الحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً، ولم يكمل فترة السجن، وأفرج عنه.

وإذ تبدو اللعبة محكومةً بلاعبٍ واحد، هو ولي العهد نفسه، فإن ما يجري تداوله أنه أراد أن يربط المبادرات الإصلاحية به شخصياً كأي زعيم شعبوي آخر، واعتبار كل ما جرى إقراره "مكرمةً" منه لشعبه، وليس نتيجة كفاح طويل لناشطين في مجال الحقوق، فضلاً عن أنها تهدف إلى تحويل الأنظار عما يجري في ميدان السياسة الخارجية. وضمن هذا التوجه، وضعت قيود صارمة على الصحافيين والكتاب، وتم رسم خطوط حمراء لا يمكن تخطّيها، أمام موضوعات حساسةٍ، مثل حملة اليمن وحصار قطر والموقف من "صفقة القرن" والعلاقة مع إسرائيل، وفتح الخزينة السعودية أمام الأميركيين.

هنا لا يبدو شيء خارج المألوف، فقد اعتاد النظام السعودي على خنق حرية الرأي والتعبير عقوداً، إلا أن من يقرأ ما وراء الأحداث التي تجري صناعتها بسرعة هذه الأيام يكتشف أن الأمير الشاب الذي يحمل مشروع "ملك" يريد أن يقنعنا بأنه قادر على اجتراح المفاجآت، وعلى إقامة "مدينة فاضلة" على قياسه، لا يشاركه في قرارها أحد، متجاهلاً رؤية صاحب "المدينة الفاضلة" أفلاطون نفسه الذي يعلمنا أن إحراز السلطة يتم بقوة العقل، وليس بقوة الغاب الوحشية.

ونمط القوة الأخير هو الذي يطمح بن سلمان إلى توظيفه لصالحه في هذه المرحلة، اقتداء بتجارب غيره من الحكام الشعبويين في عالمنا العربي الذين أتقنوا فنون إحكام القبضة التي لا توصل صاحبها إلى القمة فحسب، وإنما تبقيه عليها إلى أن يقضي الله أمراً.

والنتيجة التي يخرج بها المرء من هذا كله أنه كان الأجدر بولي العهد الشاب أن يقرن مبادراته الإصلاحية المعلنة بمبادرة يضمن لمواطنيه فيها حمايتهم إذا ما تجرأوا على الكلام، أو مارسوا نقد ظواهر يرونها في غير صالحهم، أو جهروا برأيٍ مخالفٍ، وأن لا يسعى إلى كسر إرادتهم وإبقائهم في دائرة الظل، عندها يكون قد وضع حجر الأساس لمدينةٍ فاضلةٍ بحق، وبمواصفات تضمن خروجاً من كهوف التاريخ، وعندها سيصفق له محبوه وكارهوه على حد سواء.


في الجمعة 01 يونيو-حزيران 2018 12:32:37 ص

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
https://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://samapress.net/articles.php?id=1611