رئيس وثعابين ومليارات وماركيز
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري
لماذا لا تكون لجنة الأمم المتحدة التي أشاعت أن ثروة علي عبد الله صالح 60 مليار دولار مغرضة، عندما تتهمه بجمعه المبلغ في عمليات فساد. لماذا لا يكون هذا افتراءً، يُراد منه التشنيع على الرجل، للتهوين من منجزاته العظيمة في رعاية اليمن واليمنيين. أو لماذا لا يكون هذا النزر من المليارات تأتّى له، بعد دأبٍ في تحويش عوائد أعمال تجارية، كان يزاولها بعد انتهاء دوامه رئيساً، وفي إجازاته الأسبوعية والسنوية، فرزقه الله من نعيمه، جزاء تقواه، وانقطاعه إلى خدمة اليمنيين، وهو الذي كان يصل الليل بالنهار لإسعادهم، وإلا لما كانوا يمحضونه كل ذلك الولع بشخصه في الانتخابات التي كان يجريها، فيما الزهد في رئاسة البلد مقيم في جوانحه، ولم يرها إلا تكليفاً من مواطنيه، في ثلاثة وثلاثين عاماً، كان اليمنيون فيها يرفلون في فائضٍ من الدعة والسعة. ولإرضائهم، بعد أن حلف بأيمانٍ غليظة، مرات في 2006، أنه لن يترشح، امتثل لمناشداتهم أن يعدل عن قراره غير الحكيم، فلم يهن عليه أن يخيّب آمالهم، وربما صام أياماً، لعل العليّ القدير يعفو عنه، وقد كاد أن يحرم اليمنيين من ظله.
تحتاج إلى أرطالٍ من الواقعية السحرية، ومن الفكاهة السوداء، ليصير في وسعك أن تطالع، وأنت نقي السريرة وحسن الطوية، محتوى تقرير لجنة الأمم المتحدة عن تلك الستين مليار دولار، وطرائق جمعها من صفقات وعمولات غاز ونفط، ومن شراكات مع رجال أعمال، وبالاختلاس والابتزاز وغيرهما، وعن كيفيات حفظ تلك المليارات في بنوك عشرين دولة. تحتاج إلى دماغ أينشتاين، حتى تستوعب البراعة الحلزونية التي يتصف بها رئيس اليمن السابق، فأمكنه أن يقيم على هذه الثروة، فيما اليمن بلد فقير، ومظاهر البؤس ظاهرة فيه، وقد أتيح لكاتب هذه السطور أن يشاهدها هناك، وأتيح له أن يسمع من علي عبد الله صالح طرائف كان يطعّم بها أجوبته عن أسئلتنا له في مؤتمر صحفي، بدا فيه مزهواً بانتصاره على مؤامرة الانفصال. وقد أوضحت وقائع تالية أن الظرافة في شخص صالح واحدةٌ من طباعه (أو سجاياه؟)، فقد قال عنه عمرو موسى إنه كان أحد ثلاثة رؤساء مبهجين في مؤتمرات القمة العربية (مع القذافي وياسر عرفات)، وكان "يلوّن الجلسات ببراعات ومزايدات وقفشات"، بل إن موسى يعد صالح من أظرف الشخصيات التي التقاها في حياته، ويصفه بالذكاء والاندفاع، و"نكاته مميزة".
تضطرنا قصة الستين مليار دولار إلى الاستنجاد بأهل الدراية بالاقتصاد اليمني، فيفيدونا بأنه يحتاج إلى 11 مليار لحل مشكلاته، وأن 54% من اليمنيين يمكثون تحت خط الفقر. وتضطرنا القصة نفسها إلى استدعاء قولة صالح، مرة، إن حكم اليمن مثل الرقص على رؤوس الثعابين، لنرى أن فخامته أفلح في عملية الرقص هذه، وهو الذي خرج من الرئاسة، محصناً من أي مساءلة، وبحصةٍ وازنةٍ باقيةٍ في السلطة، وها هو يراقص، من الخلف، من يشاء من فاسدين وعسكريين وقبليين، وأبناؤه وأقاربه وأصحابه الذين منحهم مواقع نافذة باقون فيها. نجا من أن يكون الرئيس اليمني الثالث على التوالي الذي ينتهي حكمه باغتيال، لمّا احترق في حادثة مسجد قصر الرئاسة، ولو قضى نحبه فيها للاقى وجه ربه متبتلاً. يسّرت له الأقدار مصائر أخرى، ليس منها أن يحلق آخرون رأسه، كما حذّر زملاءَه الرؤساء العرب، قبل عشر سنوات، إذا لم يبادروا إلى حلق رؤوسهم بأنفسهم. تقرأ سيرته، فتراه بطل رواية ماركيزية الإيقاع. طفل فقير يتيم الأب، يدخل الجيش صغيراً، يجمع كبار الضباط، وكان مجرد قائد لواء، بعد مقتل الرئيس أحمد الغشمي، يبلغهم رغبته بأن يكون الرئيس، فيوافقون بالإجماع. قال إنه سيكون رئيساً مدة أسبوع، ينتقم فيه لمقتل سلفه. لكن، طالت الرئاسة، فتيسرت الستون مليار دولار.

في السبت 28 فبراير-شباط 2015 02:05:04 ص

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=563