من أين أتى هؤلاء؟
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري
كان السؤال أعلاه عنوان مقالةٍ نشرها الطيب صالح قبل خمسة وعشرين عاماً، اشتُهر في حينه، وقصد فيه الحكام الذين أَتوا إلى السلطة في السودان، في انقلابٍ عسكري مشهود، وأَعملوا في الناس اعتقالاتٍ وانتهاكات، وأشاعوا اختناقاً سياسياً شاسعاً، فقلَّ الاطمئنان، وارتفعت الأسعار، وراج القلق، ونقصت الوداعة. آنذاك، سأل الطيب: من أَين جاء هؤلاء الناس؟ أَما أَرضعتهم الأمهات والعمّات والخالات؟ أَما أَصغوا للرياح تهبُّ من الشمال والجنوب؟ أما رأوا بروق الصعيد تشيل وتحط؟ أما شافوا القمح ينمو في الحقول وسبائط التمر مثقلةً فوق هامات النخيل؟ ... أما سمعوا الأصوات القديمة، وأحسُّوا الأشواق القديمة، ألا يحبّون الوطن كما نحبّه؟ إذاً، لماذا يحبّونه وكأنّهم يكرهونه، ويعملون على إعماره وكأنّهم مسخّرون لخرابه؟
كتب الروائي السوداني الراحل: نهر النيل الصبور يسير سيره الحكيم، ويعزف لحنه القديم. "السادة" الجدد لا يسمعون، ولا يفهمون. يظنّون أنّهم وجدوا مفاتيح المستقبل. يعرفون الحلول. موقنون من كل شيء. يزحمون شاشات التلفزيون وميكرفونات الإذاعة. يقولون كلاماً ميِّتاً في بلدٍ حيٍّ في حقيقته، ولكنّهم يريدون قتله حتى يستتب الأمن.
أنهى الطيب مقالته غير المنسية بالسؤالين: من أين جاء هؤلاء الناس؟ بل من هؤلاء الناس؟ وهما سؤالان صالحان، تماماً، بشأن هؤلاء الذين يحكمون في مصر، ويقيمون في السلطة، وفي القضاء، وعلى شاشات الفضائيات هناك. فعلاً، من أين جاءوا؟ هل كانوا في مصر التي نعرف، ولم نكن نعرف أنهم فيها؟ هل يحبون مصر؟ إذا كانوا كذلك، لماذا ينشطون في خراب بلدهم وصورته، في المحاكم والتلفزات. لماذا كل هذا الفقر في الخيال لدى رئيس مصر؟ من قال له إن رئاسة الدول تكون كما يفعل؟ من أي كلياتٍ للحقوق ومعاهد للقضاء تخرّج الأساطين الذين يوزعون المؤبدات وأحكام الإعدام ورمي الناس بالإرهاب؟ يوزعونها كما لو أنهم في مهرجانٍ للعبث. هل كانوا في المحاكم نفسها، قبل خمس سنوات، قبل عشرين سنة؟ إذن، لماذا كان الاطمئنان إلى القضاء المصري حاضراً؟ هل من مؤامرةٍ في الموضوع؟
هل يحتمل المصريون كل هذه الأرطال من التخاريف على الشاشات قدّامهم، عن مستقبل بديعٍ يقول المذيعون والمذيعات إنهم يعرفونه، وإن ضيوفهم، وبعضهم مرشحون لانتخاباتٍ مفتعلة تقترب، يعرفون الحلول لكل شيء؟ هل صحيح أن كل هؤلاء، ومعهم مشايخ ورجال دين وعسكر وسرّاق وطبّالون وثوار سابقون، يريدون قتل مصر، من دون أن يعرفوا؟ من أَين جاء المصريون الذين يحكمون في بلدهم بكل هذا الحنق الغزير على مصريين آخرين؟ وثمة السؤال، غير المغفل، إلى المصريين الذين يقتلون ويهدمون ويخطفون، في سيناء والمنصورة وغيرهما، من أي منابع للحقد شربوا، حتى يظنوا قتل الشرطة والجيش جهاداً وعدالةً وحقاً؟ من الذي أخذ مصر إلى هذا الحال، إلى تقسيم أهلها وناسها صنفيْن، المع والضد؟ هل يعمل علي الحجار مستشاراً في محكمة الجنايات في القاهرة؟ هل يداوم في مكتب في قصر الاتحادية؟
لم يصل انقلابيو السودان، قبل خمسة وعشرين عاماً، إلى هذه المرتبة العالية من الحماقات اليومية التي تطير أخبارها إلى العالم من أرض الكنانة. لقد مرّن أولئك أنفسهم، تالياً، على بعض الشطارات السياسية. أخفقوا كثيراً، ونجحوا قليلاً، كذبوا وصدقوا، حبسوا بعضهم وحاوروا بعضهم. عاد الطيب صالح إلى السودان، واحتُفي به رسمياً، وشارك الرئيس عمر البشير في جنازته، وترحّم عليه. تُرى، هل هي الكاميرا الخفية، يُسلي فيها حكام مصر الراهنون، ومعهم المذيعون والقضاة والمشايخ إياهم، مواطنيهم إلى حين، فلا إعدامات ستجري، ولا مؤبدات ستتم، ولا كذب سيستمر، ولا إرهاب سيلتصق بكتائب القسام وحركة حماس؟ هل الأمر كذلك، أم نبقى على سؤالنا، المسروق من الجوار السوداني: من أًين أتى هؤلاء؟

في الثلاثاء 03 مارس - آذار 2015 02:06:25 ص

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=570