عمارة جمال أبو حمدان
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري
كانت مجموعة الأديب الأردني، جمال أبو حمدان، القصصية "أحزان كثيرة وثلاثة غزلان"، والتي صدرت في بيروت في 1969، حجراً ثقيلاً، رماه الكاتب الكبير الذي رحل الأسبوع الماضي عن 71 عاماً، في فضاء الكتابة السردية في الأردن، بالنظر إلى السمت الحداثي المباغت فيها، والرجّة غير الهينة التي أحدثتها في حينه، وجعلت من هذه المجموعة حدثاً انعطافياً في مسار الأدب في الأردن، ما سوّغ امتعاض الرائد، محمود سيف الدين الإيراني، لمّا وصفها بالغموض، وقال إنه يجد صعوبة في تقبل هذا النوع من القصص.

بدا أبو حمدان، في ضربته تلك، يذهب بالقصة إلى تجريبٍ مختلف، وإلى مغامرةٍ في تلوين الشخصيات بأقنعةٍ غير مسبوقة، وفي اللعب بالوقائع التاريخية، وفي تحوير الحكايات المألوفة. وهذا نزوعٌ في قصصه تلك ظل حاضراً في كثيرٍ من نتاجه الوفير في عمارته الإبداعية، وهي عمارةٌ ليس التجول فيها يسيراً، لأنها عالية، وغرفها عديدة وباذخة، وشاسعة. فيها القصة القصيرة، التي اختلفت، مبكراً، عن التي كان يكتبها مجايلو أبو حمدان. وفيها المسرح الذي كان منتوج كاتبنا الراحل فيه ريادياً في منتصف ستينيات القرن الماضي، وتواصل، حتى سنواتٍ قريبة، فكانت نصوصه أثاثاً خاصاً في النشاط المسرحي في الأردن، واستحقَّ كثير منها جوائز عربية ومحلية مقدّرة. أما الدراما التلفزيونية، فقد أبدع أبو حمدان في منتوجه منها، عندما حفر في التاريخ وأساطيره وحكايته وأعلامه، بعين نقديةٍ ولغةٍ حاذقةٍ وتخييلٍ جذاب، وثمّة هنا "الحجاج"، و"ذي قار"، و"آخر أيام اليمامة" و"المرابطون والأندلس"، وأعمالٍ أخرى. في العمارة أيضاً، ثمّة الرواية، ومنها "الموت الجميل"، قليلة الصفحات، قوية البنية في معمارها وأجواء البداوة الحارّة فيها. كتب غيرها في الرواية، وكتب في أدب الأطفال والتمثيليات الإذاعية والنصوص الحرة وأدب الرحلة والسيناريو، وفي الأثناء، كان كاتب مقالة رفيعةٍ في الصحافتين، الأردنية والعربية.

لا يحيط هذا الإيجاز، هنا، بجمال أبو حمدان كاتباً مجدّداً، له شحنته الخاصة في ما كتب وأنجز، ولا يسعف التجوال المرتجل في منازل هذا الكاتب الكبير في عمارته العالية في الإحاطة بالابتكارات اللافتة في صنيعه الإبداعي، في القصة والمسرح والدراما خصوصاً، ولا أيضاً في التعرف إلى فاعليته مثقفاً في مجتمعه المحلي، إبّان شبابه، قبل أن يُؤثر عزلةً رواقية شخصية، وابتعاداً عن الزحام والأضواء، فقد كان من مؤسسي رابطة الكتاب الأردنيين في 1974، وأحد الذين ساهموا في تشكيل اتحاد المسرحيين العرب. انصرف أبو حمدان، لاحقاً إلى ما سمّاها أحد الأصدقاء "عبقرية الاختفاء". آثر الانشغال بحكايات التاريخ والأساطير، بالقديم والماضي، مع عثورٍ على حضورهما في الراهن، والعكس صحيح ربما. أحب شهرزاد كثيراً، وهو الذي أفاد كثيراً من "ألف ليلة وليلة" في أدبه ونتاجه، وصنع حكاياتٍ مضادةً وموازيةً ومغايرةً لها. كتب للمسرح "حكاية شهرزاد الأخيرة"، وللتلفزيون "شهرزاد"، وحضرت ظلالٌ لها في قصص ونصوص غير قليلة. وفي عموم كتاباته القصصية، كان جمال أبو حمدان شغوفاً بتوليد الحكايات من الحكايات، وبارعاً في إشاعة تأويلاتٍ لشخصياته ووقائع قصته القصيرة، والطويلة التي كتب أيضا في جنسها.

أصاب جمال أبو حمدان مرضٌ لعين، في هجرته التي اختارها، قبل شهور فقط، في أميركا. وعلى ما نقل عنه، طلب منه طبيبه، في أثناء العلاج، دواماً طويلاً على دواءٍ قاس، لكنه آثر الموت على ذلك. لا أستبعد أن يكون قد فعل ذلك، فالمزاج الغرائبي (الكافكاوي أحياناً)، الذي كان فادح الحضور في أعمالٍ غير قليلة في أدبه، ربما انتابه في تلك اللحظة الصعبة. كان إنساناً حيياً، دافئاً، قليل الكلام، مسكوناً بقلق إبداعي خاص. لم يأخذ حقه من الانتباه النقدي العربي، في السنوات الأخيرة خصوصاً. يتوهج به الأدب في الأردن، وكذا القصة القصيرة العربية، رحمه الله

في الأحد 12 إبريل-نيسان 2015 10:38:28 ص

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=649