عن سيناء التي لا يعرفها السيسي
استاذ/خليل العناني
استاذ/خليل العناني
عنونت، في 23 سبتمبر/أيلول 2013، إحدى الصحف شبه الرسمية في مصر صفحتها الأولى بمانشيت أحمر كبير، مفاده "إعلان مصر خالية من الإرهاب خلال أيام". عام ونصف مضيا على صدور هذا المانشيت، ولا يزال الإرهاب يضرب مصر شرقاً وغرباً. كان الإعلان جزءاً من حملة علاقات عامة، هدفها تمهيد الطريق، وقتها، للفريق عبد الفتاح السيسي من أجل خوض انتخابات الرئاسة، وإعطاء الانطباع بأن الأوضاع مستقرة، وعلى ما يرام. ومنذ ذلك الوقت، توالت التصريحات والبيانات التي تؤكد أن مصر "انتصرت على الإرهاب"، أو أنه "تم تطهير سيناء من البؤر الإرهابية والتكفيرية"، مثلما يصرح دائماً المتحدث العسكري. ومن المدهش أنه، بعد كل تصريح من هذا النوع، تقع هجمات إرهابية وتفجيرات جديدة، على غرار ما حدث طوال الأسابيع القليلة الماضية، وكأن الإرهابيين يتعمدون "نسف" الرواية الرسمية للدولة حول الأوضاع فى سيناء.

والعجيب أنه، في كل مرة تقع فيها تفجيرات في شبه جزيرة سيناء، تتم ترقية القادة العسكريين المسؤولين عن ملف سيناء وترفيعهم، مثلما حدث قبل يومين، حين تمت ترقية اللواء محمد فرج الشحات، قائد الجيش الثاني الميداني والمسؤول عن شبه جزيرة سيناء، كي يصبح مديراً للمخابرات الحربية والاستطلاع. كما تمت ترقية مساعده اللواء ناصر العاصي الذي كان قائداً لأركان حرب الجيش الثاني، كي يحل محل الشحات. ولو أن مصر بلدٌ طبيعي، كبقية البلدان، لتمت إقالة الشحات والعاصي وبقية القيادات المسؤولة عن العمليات العسكرية في شبه جزيرة سيناء، ومحاسبتهما على فشلهما الذريع في حماية أرواح الجنود والأهالي هناك.

لا يعرف السيسي كيف يتعاطى مع ملف سيناء، إلا من خلال الأمن والقبضة الحديدية فقط، مثلما هي الحال مع بقية الملفات. لذا، فإن الفشل الأمني هو دائماً النتيجة المنطقية للعمليات العسكرية المتواصلة. ولا يدرك أن طائراته، وهي تدك بيوت المواطنين المصريين، بحثاً عن أحد المشتبه بهم، فإنها تقتل وتسقط مواطنين أبرياء، مثلما حدث قبل ثلاثة أيام مع "مجزرة" عائلة الهبيدي في قرية الظهير جنوب الشيخ زويد، والتي راح ضحيتها 11 فرداً من أسرة واحدة، بينهم أطفال ونساء إحداهن حامل. وأن مدافعه حين تقصف مزارع البدو، وتقتل ماشيتهم، فإنها تخلق مظالم جديدة، تدفع أبناءهم أو غيرهم من المتضررين للانضمام للتنظيمات الإرهابية، ليس قناعةً، وإنما رغبة في الانتقام. ولا يعرف السيسي أنه عندما يقوم بتهجير المئات من أهالي رفح من ديارهم، واقتلاعهم من جذورهم وهويتهم، فإنه يخلق أجيالاً جديدة، ترى العنف والانتقام السبيل الوحيد للتعاطي مع الدولة.

لا يعرف السيسي أن أهالي سيناء ملّوا الوعود "الكاذبة" التي تطلقها الدولة والمسؤولون بشأن تنمية مناطقهم وحل مشكلاتهم، ودمج أهلها، خصوصاً من البدو، كمواطنين كاملي الحقوق الأهلية. ولا يعرف أنهم يعرفون أن خطط التنمية التي يتم الإعلان عنها في الإعلام، وجديدها خطته التي قيل إنه خصص لها 10 مليارات جنيه، مجرد حبر على ورق، لن ينفذ منها شيء. ولا يعرف أن أهل سيناء يرفضون العنف والإرهاب، بقدر رفضهم التهميش والحرمان الذي تفرضه عليهم مؤسسات الدولة منذ أربعة عقود. لا يعرف السيسي، أو ربما لا يريد أن يعرف، أن علاج الأزمة في سيناء لن يكون أمنياً فقط، وأن الحل يجب أن يبدأ من الاعتراف بأن الاستراتيجية الأمنية التي يتم تطبيقها هناك فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق أهدافها، حتى الآن، وقد آن الوقت لمراجعتها وتغييرها جذرياً.
يسير السيسي على خطى من سبقوه، ويتعاطى مع سيناء باعتبارها مصدراً للخطر والقلق، وليست ضحية إهمال ممنهج رسمي، وتجاهل مؤسسي، جعلها أشبه بقنبلة موقوتة. فأصل المشكلة فى سيناء ليست فقط أمنية، وإنما أيضاً اجتماعية واقتصادية وسياسية. ولا يسأل نفسه لماذا زادت وتيرة العمليات الإرهابية كمّاً وكيفاً، منذ بدأ الجيش عملياته هناك في سبتمبر 2013، وارتفعت بشكل ملحوظ، منذ وصوله إلى السلطة في يونيو/حزيران 2014، أو لماذا توحش تنظيم "ولاية سيناء"، وأصبح يسيطر على قرى كاملة، بحسب الخبراء في الشأن السيناوي. لم يقم السيسي بزيارة لأهالي سيناء، من أجل مواساتهم فى ضحايا القصف العشوائي، ولم يرسل مندوباً عنه لتعزية أهلهم، ولم نسمع المتحدث العسكري يترحم على أرواح الأطفال والنساء الذي يسقطون في حربٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وكأن هؤلاء ليسوا مواطنين مصريين يستحقون الرعاية والاهتمام، وكأنهم يستحقون ما يقع عليهم من عقاب الدولة ومؤسساتها.

لن تنجح الحرب على الإرهاب، خصوصاً في سيناء، بدون تغيير الفكر والاستراتيجية والمنهج الذي يتم التعاطي به مع المشكلات المتراكمة هناك. ولن ينهزم تنظيم "ولاية سيناء" من دون وجود مشاركة حقيقية من المجتمع الأهلي السيناوي في محاربته. فمعظم أهالي سيناء ضده، لكنهم بين سندان الإرهاب ومطرقة الدولة التي لا تكترث لهم، ولا تستمع لمظالمهم، أو تسعى إلى معالجتها.

محاربة الإرهاب في سيناء، وغيرها، تقتضي أن يعرف السيسي ويعترف بأن العنف والقتل العشوائي ليس حلاً، وأنه من دون الإقرار بمسؤولية الدولة ومؤسساتها عما آلت إليه الأوضاع هناك، لن يتوقف الإرهاب، ولن ينهزم الإرهابيون.

في الأربعاء 15 إبريل-نيسان 2015 03:18:10 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=654