"ثورية" الإخوان وإسقاط النظام في مصر
استاذ/خليل العناني
استاذ/خليل العناني
فجأة، ومن دون سابق إنذار، انفجرت الأوضاع داخل جماعة الإخوان المسلمين في مصر، ويبدو أن ثمة انقساماً عميقاً على مستوى الرؤى والأفراد والاستراتيجيات، يضرب الجماعة في وقت تكافح فيه من أجل البقاء ضد نظام يحاول، بكل الطرق، وأدها واستئصالها. أزمة الإخوان الراهنة، وبغض النظر عن مقدماتها وأسبابها، تمثل نقطة فاصلة في تاريخ الجماعة، سوف يكون لها ما بعدها. صحيح أن الجماعة سوف تتجاوز هذه الأزمة، وذاك مثلما فعلت في أزمات عديدة سابقة، بيد أن ذلك سوف يتم من خلال عملية صعبة من التجاذبات والتفاعلات الداخلية التي سوف تترك أثرها على مستقبل الجماعة.
وعلى الرغم مما قد يبدو أنه نزاع "جيلي" بين تياري الشيوخ والشباب داخل الإخوان، إلا أن جذر الأزمة الحالية يضرب في عمق الحالة الإخوانية في مصر، والتي ظلت ساكنة وكامنة طوال العقدين الماضيين، من دون تغييرات جذرية، سواء على مستوى الأفكار أو القيادات أو التنظيم. لذا، فإن ما حدث قبل عام ونصف، بعد اختيار مكتب لإدارة الأزمة التي تواجهها الجماعة مع النظام، كان خروجاً عن المألوف داخل الجماعة، ورفضاً لهذه الحالة الساكنة، ولمن تسببوا في الوصول إليها، ومحاولة للتمرد والخروج عليها، ومن ثم تغييرها.
بكلمات أخرى، نحن إزاء حالة "رفض" واضحة للمسار الذي اتبعته قيادات الجماعة طوال مرحلة ما بعد 25 يناير، وترسخ بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013، وتسبب في كوارث عديدة للجماعة. وكانت حالة الرفض هذه تعبر عن نفسها في السابق، من خلال امتعاض مكتوم داخل الصف الإخواني، أو من خلال تهميش المخالفين والمعترضين وإقصائهم، بيد أن ذلك لم يكن ليستمر طويلاً، فكان أن خرجت الأزمة الحالية إلى العلن، كي تكشف حجم الاحتقان والانقسام الموجود داخل الجماعة.
وعلى عكس ما جرت العادة، حين كان القمع يلعب دوراً مهما في حماية الجماعة من التفكك، وضمان تماسكها وتوحيد صفوفها، فإن القمع ومحاولة الاستئصال، هذه المرة، هما السبب الرئيسي للانقسام والخلافات الراهنة داخل الصف الإخواني. ويبدو أن استراتيجية الجنرال عبد الفتاح السيسي في ضرب الجماعة داخليّاً قد نجحت، ولو بشكل مؤقت. فالجماعة تخضع، الآن، لاختبار جاد وتاريخي حول كيفية التعاطي مع قمع النظام، وهل يكون الرد بالمثل، أم من خلال استراتيجية "المحنة والابتلاء" والصبر، على نحو ما جرت العادة في السابق.
وأغلب الظن أن الأزمة الحالية سوف تُحسم لصالح التيار الجديد الذي يقود الجماعة منذ حوالي عام ونصف، ونجح في الإبقاء على حيويتها وفاعليتها طوال الفترة الماضية. وهو التيار الذي يتبنى ما يُطلق عليه "المسار الثوري" في التعاطي مع بطش النظام. وهو يختلف في ذلك عن تيار الشيوخ أو "الحرس القديم" الذي يرى أن هذا المسار قد يؤدى إلى انزلاق الجماعة باتجاه العنف، وما قد يترتب عليه ذلك من نتائج وخيمة على الجماعة والمجتمع.
وعبارة "المسار الثوري" غامضة وفضفاضة، وتحمل أسئلة كثيرة مشروعة حول مدى تمسك الإخوان بخيار السلمية وعدم استخدام العنف. فحسب محمد منتصر المتحدث الإعلامي للجماعة، فإن "المسار الثوري" أصبح خياراً استراتيجيّاً للجماعة، من أجل إسقاط الانقلاب، وذلك من دون توضيح آليات هذا المسار وكيفية تحقيقه أهدافه. ولكن، بناء على تجربة الشهور الماضية، فإن هذا المسار هو امتداد لما أطلق عليه الإخوان، خلال مرحلة سابقة، "الحراك النوعي"، وهو الذي كتبنا عنه قبل فترة، وقلنا إنه يقوم على الاستخدام المبطن للعنف أو تبريره ضد النظام ومؤسساته، خصوصاً الشرطة، وذلك للرد على انتهاكاتها ضد أعضاء الجماعة. وقد تم توسيع مفهوم الحراك النوعي، كي يشمل استهداف منشآت اقتصادية وخدمية، مثل محطات الكهرباء وشركات المحمول...إلخ.

وحقيقة الأمر، ثمة إشكالات عديدة تنبع من مسألة "المسار الثوري" التي يتبناها التيار الجديد داخل الإخوان. أولها يتعلق بمدى دقة وموضوعية استخدام اللفظ، لوصف ما تقوم به كوادر الجماعة حالياً. فالحقيقة أننا لسنا إزاء "تيار ثوري" داخل الإخوان، أو "مسار ثوري" حقيقي، بقدر ما أننا إزاء "حالة غضب" ورفض عارمة تحاول التنفيس عن نفسها وتبرير أفعالها ضد النظام، من خلال استحضار مفهوم الثورة.
ثانياً، لا يمكن لجماعة، بحكم النشأة والتعريف والأدبيات، أن تصبح حركة "ثورية" بين عشية وضحاها. فالثورية ليست مجرد فنجان قهوة يتم تحضيره سريعاً، وإعطاءه للأعضاء، كي يصبحوا "ثوريين"، وإنما هي منظومة قيم وثقافة وبرامج وآليات تأخذ وقتاً طويلاً، وتصبح منتجاً أصيلاً يعيد تشكيل شخصية الأفراد. وكما نعلم، فإن منظومة القيم الإخوانية التي يتربى عليها الأعضاء (كقيم السمع والطاعة والبيعة والولاء...إلخ) تختلف كلياً عن منظومة القيم الثورية التي هي بحد ذاتها قيم "تمردية"، وضد التراتبية والتقليد والالتزام التنظيمي.
ثالثاً، الثورية لا تعني، على الإطلاق، استخدام العنف أو السلاح لتحقيق الأهداف. صحيح أن ثمة حركات ثورية كثيرة حققت أهدافها من خلال استخدام العنف، ولكنها قطعاً تختلف في طبيعتها ونشأتها وظروفها عن جماعة الإخوان، ناهيك عن اختلاف السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية والإقليمية والدولية في الحالين.
رابعا، تقتضي مسألة "الثورية" قدراً عالياً من التنسيق والتعاون مع قوى ثورية أخرى، يمكنها تحقيق الهدف المشترك، وهو التخلص من النظام السلطوي. وهو ما ليس متحققاً في الحالة المصرية، على الأقل حتى الآن. فمعظم الحركات الثورية على خلاف مع جماعة الإخوان المسلمين والعكس صحيح، وإن كان جميعها يشترك في رفض الوضع القائم. بل لا أبالغ بالقول إن أحد أسباب بقاء النظام الحالي لا يعود إلى قوته وسيطرته، وإنما بالأساس إلى ضعف معارضيه وتشرذمهم وتفتتهم.
بعبارة أكثر وضوحاً، ثمة مخاطر كثيرة من أن يكون "المسار الثوري" الذي يتبناه التيار الجديد داخل "الإخوان" بمثابة بداية لمأسسة العنف وشرعنته وتبريره. وهو أمر لو حدث سوف يكتب نهاية مأساوية لجماعة استطاعت أن تحافظ على نفسها خلال أصعب الأوقات، لكنها الآن تبدو فاقدة للسيطرة على أعضائها وكوادرها. وسيكون من السذاجة أن يعتقد بعضهم أن اتباع مثل هذا المسار سوف يُسقط النظام أو يُفشله، بل على العكس، فإن هذا تحديداً هو ما سوف يطيل عُمْر النظام، ويمنحه قبلة الحياة.


في الثلاثاء 02 يونيو-حزيران 2015 05:06:15 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=720