بيانان.. في عمّان وكولومبيا
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري
ثمّة تشكيل ثقافي اسمه اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا، قام في 1958، في غضون إيقاعٍ كفاحي لحركات تحرر وطنية في العالم، يضم كيانات أهلية ممثلة للكتّاب في الدول الأعضاء (تزيد على 60 دولة). اجتمع مكتبه الدائم، أخيراً، في عمّان، بضيافة رابطة الكتاب الأردنيين، وقال بيان صدر عقب الاجتماع، إن المشاركين فيه، وهم ثمانية من الأردن وتشاد وروسيا والعراق والكويت والسودان والمغرب وتونس، ناقشوا فيه "المشهد الثقافي الراهن في العالم الثالث عموماً، وفي بلدان آسيا وإفريقيا خصوصاً". واشتمل البيان على كلام كبير (جداً)، وجاء على العولمة الرأسمالية ومخططات صندوق النقد والبنك الدوليين، وما تقوم به دوائر حلف الأطلسي والصهيونية والرجعية لتحطيم الدول والمجتمعات، وكذا "العصابات الإجرامية التكفيرية والعثمانية الجديدة"، و"جماعات الإسلام الأميركي". ومما أوصى به المجتمعون، على ضوء مخاطر تلك العصابات والدوائر، إعادة الاعتبار إلى المثقف العضوي، مساندة كل قضايا التحرر الوطني في العالم، بناء أوسع جبهة ثقافية ضد الإرهاب والتكفير، إيلاء الاهتمام باستصدار قوانين تصون حق التعبير والاختلاف، استنفار الجهود لحماية الموروث الإنساني. 
يُغبط أصحابنا في اجتماعهم على طموحاتهم الشاسعة، وليس الخلاف معهم فيما بسطوه من قضايا (ومخاطر)، بل فيما صمتوا عنه، وفي الظلال السياسية التي يتبدّى فيها انحيازهم إلى خطابات أنظمةٍ معلومة، نراها فاسدة وقاتلة ومستبدة. ولا نعرف سبباً لخلو البيان، الموشّح بتعبيرات من الفلكلوريات القومية واليسارية وأرشيفها، من تعيين أيٍّ من بلدان آسيا وإفريقيا، تشهد انتهاكات فادحة لحريات المثقفين، وحقوق المواطنين في التعبير عن التعدد والاختلاف، وقد مرّ البيان على هذه الشؤون. وحتى يكون اللعب مكشوفاً، مع الزملاء الكرام الذين صاغوه، نظنهم لم يفلحوا في التغطية على التبني المطلق لدجل النظام الذي يحتل السوريين، وداعميه، عندما يحيل البيان إلى مؤامرات "عثمانية" جديدة، وإلى ما ترتكبه عصابات إجرامية تكفيرية. من دون أي تأشير إلى عصابات النظام المذكور، ومسؤولياتها في التهديم اليومي لبنيان الدولة والمجتمع السوريين، وفي قتل معتقلين بتعذيبهم في زنازينه، لأنهم لم يهجسوا بغير الحرية والاستقلال والكرامة. ومن بين أوجه عوار وخلل ظاهرة في بيان المثقفين الأفروآسيويين، أنه، فيما يؤشر إلى دعم قضايا التحرر الوطني في العالم، لا يقيم أي وزن لشعوب عربية وعالمثالثية، تتطلع إلى التحرر من أنظمة الفساد والاستبداد، والشعب السوري في طليعتها، وإنْ لا تراه عيون أصحابنا أولئك. 

هناك، في مدينة ميدجين في كولومبيا، انتظمت، أخيراً، الدورة 25 لمهرجان الشعر العالمي، بمشاركة 125 شاعراً من 40 دولة، بينهم عربيان، هما السوري نوري الجراح والتونسي معز ماجد. وفي ختامه، صدر بيان وقع عليه عدد من الشعراء، بعنوان "من أجل الحرية والكرامة والاستقلال لسورية وفلسطين"، جاء واضحا في المطالبة بإجلاء سورية من جميع العصابات الإرهابية، وفي إدانة جرائم داعش والقاعدة، وطالب بوقف كل التدخلات الأجنبية، بما فيها التركية، في الشأن السوري. وأكد البيان على الجوهري في المنحى الثقافي، ومنه مساندة كل الشعوب المبتلاة بنظم القتل والاستبداد المتوحشة، ووقف على المطلوب والعملي والممكن، والملح، في مقاضاة مجرمي الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، وكذلك في تعيين جرائم الإبادة التي يقترفها نظام الفتك الحاكم في دمشق. 
كان بياناً متواضع النبرة، ذلك الذي صدر في ميدجين، التاريخية في كولومبيا، يقول للأعور في عينه إنه أعور، لا يناور، ولا يعمد إلى الكلام الكبير (جدا)، بل يذهب إلى الراهن، ومنه أن قضيتي فلسطين وسورية أخلاقيتان، أولاً ودائماً، عنوانهما الوقوف مع الإنسان وحقه في الحياة، وأن للإرهاب تنويعاته التي من المعيب أن يغشانا الحول بشأنها، فيما هي ماثلة قدامنا. إنها إسرائيلية وداعشية وأسدية وقاعدية. ننحاز، هنا، إلى بيان شعراء العالم في ميدجين، وإلى الغائب، المعمّى عليه، في بيان الأفروآسيويين في عمّان.


في الأحد 02 أغسطس-آب 2015 09:01:22 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=751