اكذب علشان الصورة تطلع حلوة
كاتب/أحمد عمر
كاتب/أحمد عمر
تداول عدد من مناضلي "فيسبوك" الأشاوس المستغربين صورة صبياتٍ أميركيات جالساتٍ في عربة قطار، شبه عاريات بالقصير الساخن المغلي في هذا الصيف اللاهب، وإلى جانبهن شاب عاكف على قراءة صحيفة، بكل زهد، غافلاً عن راجمات صواريخ أفخاذهن العوالي. ثم يقارنها أولئك بمعدلات التحرش في مصر، أو بعقيدة داعش، لنتذكّر أنّ: الممنوع مرغوب. 
إذا سئل المواطن العربي، المسلوب إعلامياً وبصرياً، عن أجمل عشر نساء، ستكون هيفاء وهبي إحداهن. يروي نيكوس كازنتزاكي، في رواية "المسيح يصلب من جديد"، أنّ رجلا عثر على حزام، وادّعى أنه حزام المسيح، فتبارك به الملايين، ثم يشرح أنه بات مقدساً، لأنّ ملايين الأيدي الضارعة الباكية تبركت به. يمكن قلب المثال، فقد أصبح جسد هيفا وهبي مضيئاً، ورغبة ًمؤممة، وحسرةً مؤجلة، بعد أن صقلته عشرات الكاميرات العوراء ذهباً، فكيف إذا تضافرت مع الكاميرا، وبلورتها السحرية كلمات الشعراء، وألحان الحواة، والسجاجيد الحمراء. 
الصورة التي نقلها المناضلون في "فيسبوك" صحيحة، وليس فيها خدعةٌ بصريةٌ، أو ما تسمى الدعاوة، لكنها جزء من صورةٍ أكبر، لا يمكن الإحاطة بها، هي صورة المجتمع وعقائده، وهي معزولة عن سياقها الاجتماعي، فحتى مؤشرات السعادة العلمية مشكوك بصحتها، مع أنها تتبع منهاجاً، وتضع علامات كثيرة ومعقولة للاستدلال على مواطن السعادة وسماتها. 
وقد مررت بالتجربة نفسها، أو بالأحرى أمرُّ بها يومياً، مع مثل هؤلاء العْين اللواتي في سيقانهن حورٌ، فأختلس بخائنة الأعين، وقاكم الله، نظراتٍ، ثم لا ألبث أن أزهد فيهن، بحكم الاعتياد، وربما تأسياً بالثعلب الذي لم تطل يداه العنب، فقال: حصرم. أنا ابن بلدة كانت مشهورة بالطماطم والبطيخ والعنب، وعشت فترة في قرية مشهورة بالمشمش، وكنت أرى في طريقي ثمار المشمش المتساقطة من العربات، أو من الشجر، وقد أسكرت الدبابير ثملى، من غير أن يحفل بها أحد. 
يقول مثل صيني: إذا تخاصم ثلاثة على حفنة ترابٍ غدا ذهباً. جسد هيفا لا يختلف عن أجساد ملايين النساء، وهناك ملايين أجمل منها بما لا يقاس، لكنهن لم يحظين بأقواس قزح، وهالات الأنوار، وزوابع الألوان، كما مجّد عشرات الشعراء جسدها بحبرهم وأجراس قوافيهم. سمعت كثيرين يؤمنون بأنّ الرئيس الجزائري الذي يمشي على كرسي متحرك عدّاءٌ يسابق الغزال، وأنّ السيسي أوسم رجل في مصر، وأنّ الأسد رجل يستحق أن يحكم العالم بحكمته وبراميله، لعلي خلطت صورتين، هما صورتا السلطان الذكر والسلطان الأنثى. 
أمس، كانت مصر تحتفل بقناة السويس، وهي تفريعة أو ترعة كبيرة، أو لعلها ريادة للقمر من غير مركبة فضائية. وقد تكون حاجزاً بناه السيسي بين سيناء، وشعبها بطريقة خبيثة. لكن، شاء النظام أن يجعلها أعجوبة كونية، وبثت تلفزيونات الانقلاب صوراً لمدن يابانية وأميركية، تزدحم فيها السيارات على الجسور المتراكبة طوابق، على أنها قناة السويس حقيقةً، بدم بارد. 
يقول عنوان فيلم مصري: اضحك علشان الصورة تطلع حلوة. قد يكون الشاب القارئ الزاهد في جمال النساء من قوم لوط، ومن غير ذوي الإربة من الرجال، أو تكون له خليلات وأخدان، ففي أميركا 25 مليون "سادومي"، إذا رأوا جميلة من الجميلات؛ تغزلوا بأخيها. 
ضحكت كثيراً في عشرات الصور، لكن صورتي لم تطلع حلوة، إلى أن صورني مصورٌ تحت أشعة الأنوار، وبعين خبيرة مدربة، ومن زوايا وكمائن، وعندما رأيت نفسي، صحت مثل أرخميدس: اميتاب باتشان. 
يقال إنّ الصورة تعادل عشرة آلاف كلمة، وقد يكون الصحيح أنّ الكلمة تعادل عدداً لانهائياً من الصور؟ عجز السيميائيون عن تحويل النحاس إلى ذهب، لكن المصوّرين الحواة حولوا مجرمين إلى ملوك وأنبياء وآلهة.

في الخميس 06 أغسطس-آب 2015 10:02:04 ص

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
https://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://samapress.net/articles.php?id=755