كل هذه البلادة في مصر
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري
ثمّة فائض مهول من البلادة في مصر الراهنة، تجاه مقتل معتقلين في الزنازين والسجون ومراكز الشرطة، تحت التعذيب أو بالإهمال الطبي، أو بما لا نعرف من أسباب. ففيما تنشر منظمات ومؤسسات أهلية مصرية أعداداً متتابعة لضحايا هذه الفظائع، لا نقع على أي مقادير من الغضب أو الاستنكار لدى كتاب وأدباء وفنانين ومثقفين، فيما أي إبداع جمالي منحاز، بطبيعته، أولاً وأخيراً، إلى حق الإنسان في الحياة. وإذا كان خطيرا جداً أن تتوالى جرائم السلطة في قتل محتجزين لديها، أو في غاراتٍ مسلحة على أشخاص مُراقبين، فإن أرطال البلادة، معطوفة على قلة الحساسية (أو انعدامها) تجاه هذا كله، بل تجاه استرخاص حياة البشر، لدى أهل الرأي والمشتغلين في الآداب والفنون، أكثر خطورة. ولا غلو في هذا الافتراض، طالما أن الحديث، هنا، هو عن مصر، المطبوعة تاريخياً بالتسامح وحب الحياة والتآخي بين ناسها، مهما تقلبت بهم الدنيا وصروفها. 
فظيعٌ إلى حدٍّ مفزع أن 36 مصريا قضوا بسبب التعذيب في السجون ومراكز التوقيف في شهر يوليو/تموز الماضي، على ذمة مركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب. وشنيعٌ إلى حد لا يُحتمل مقتل 268 شخصاً في أماكن احتجازهم في عامين، من يونيو/حزيران 2013 إلى يونيو/حزيران 2015، على ما ذكرت المفوضية المصرية للحقوق والحريات. ومرعبٌ إلى مرتبة بالغة أن 71 مصريا ماتوا في السجون، منذ يناير/كانون الثاني الماضي، كما قالت المنظمة العربية لحقوق الإنسان. لسنا أمام هذه الأرقام أمام دولة، أو سلطة وحكومة وأجهزة أمن، بل أمام نظامٍ يتبع القتل مشروعا وطنيا له، بحسب تعبير محق للزميل خليل العناني في مقاله في "العربي الجديد" (11 أغسطس/آب الجاري). ومن غير اللائق أخلاقياً أن ننشغل بتصنيف هؤلاء الضحايا سياسياً، فإنْ كانوا ملحدين أو إخوانيين، الأمر سيّان في المنظورين، الحقوقي والإنساني، بل في المنظور البديهي قبلهما. وليس ذا بال أن فريد إسماعيل الذي قضى في السجن في مايو/أيار الماضي كان قيادياً في جماعة الإخوان المسلمين، وأن المحامي كريم حمدي الذي أزهقت روحه في سجن آخر لم يكن إخوانياً، وكذا طارق الغندور وعصام دربالة وغيرهما. 
مخزية هذه البلادة الظاهرة لدى قطاع عريض من ناس الفن والثقافة والأدب والإعلام في مصر، ديدنهم مقت الإخوان المسلمين ورميهم بما فيهم وما ليس فيهم، من دون أن يُنفقوا دقائق في التعرف إلى تفاصيل قتل الدولة خمسة أشخاص في الفيوم، بدعوى أنهم إرهابيون، من دون أي استنطاق أو تحقيق، كما الجريمة الغادرة في قتل 13 إخوانيا في شقة في شهر رمضان الماضي. يكفي أن هؤلاء المصريين إخوانيون، أو من ذوي الهوى الإسلامي، ليجوز قتلهم، كيفما اتفق. لا مدعاة لوجع الرأس بأي متطلباتٍ حقوقية وإجرائيةٍ في محاكمات واستجوابات. والذين يموتون في المعتقلات لا يستحقون أي تعاطف، أو أي سؤال بشأنهم، بل ربما الأجدى التشكيك في الأرقام التي تشهرها المنظمات الحقوقية بشأنهم، وإنْ صحّ بعضها، فالأمر تجاوزاتٌ فردية، لأهل الاختصاص أن يتحدثوا فيها. 
معيبٌ أن يكون هذا ما يصدر عنه أصحابنا أولئك في بلادتهم المستنكرة. ومعيبٌ أكثر أنهم لا ينتفضون في اعتصامات ومظاهرات واحتجاجات غاضبة ضد ذلك كله، وضد المقتلة المريعة في ميداني رابعة العدوية والنهضة قبل عامين. وهم إذا اطمأنوا إلى صدق رواية أجهزة وزارة الداخلية عن المذبحتين، لا بأس من أن يختبروا قدراتهم العقلية، فيتحسّسوا مقادير من مشاعرهم الإنسانية الباقية، فيطالعوا تقارير منظمتي هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية، عن استخدام السلطة قوة غير متناسبة وإطلاقها الرصاص على متظاهرين عزّل، وعن جريمتها التي ترقى، على الأرجح (بتعبير هيومان رايتس) إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية. وللتذكير، فقد قتل في الواقعتين 904 أشخاص، بينهم أطفال ونساء. 

في الإثنين 17 أغسطس-آب 2015 06:46:43 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=760