السيسي لاجئاً: please no
الكاتب الصحفي/وائل قنديل
الكاتب الصحفي/وائل قنديل
تقول النكتة القديمة، السخيفة، إن أشخاصاً من جنسيات مختلفة دخلوا في مسابقة للصيد داخل غابات استوائية، مصري وألماني وأميركي، فماذا كانت النتيجة؟ وقف الألماني أمام لجنة التحكيم مزهواً بأنه قتل من النمور المفترسة والظباء المسالمة سبعة. وقال الأميركي بخيلاء: بحوزتي عدد أكبر، إذ نجحت في قنص خمسة أسود ونمرين وأربعة ظباء. وقال المصري: اصطدت غزالة واحدة وثمانية من "البليزنو". وهنا عقدت الدهشة ألسنة أعضاء لجنة التحكيم، فسألوا المتسابق عن هذا الكائن الجديد الذي اصطاده، فلما عجز عن التوضيح، اصطحبوه إلى الموقع الذي اكتشف فيه هذا المخلوق العجيب "البيلزنو". وكانت الصدمة حين وجد المحكّمون ثماني جثث آدمية، عدّها المتسابق ضمن حصيلته، ليتبين أن مجموعة من السياح الضائعين كانت في الغابة، وكلما ظهر أحدهم للمتسابق يصوّب عليه فيصرخ "please no" فيرديه قتيلاً، معتبراً إياه صيداً استوائياً ثميناً. النكتة سخيفة وعنصرية ومهينة، لكنها ليست أقل إثارة للسخرية والأسى والحسرة، مما جرى في صحراء مصر الغربية، في منطقة الواحات، لمجموعة من السياح المكسيكيين، على يد قوات الجيش والشرطة. لم يكن سياح المكسيك ضائعين، بل كانت لديهم خارطة تحرك معتمدة من الجهات الرسمية، وتصريح بالتنقل في الصحراء، يستقلون سيارات دفع رباعي، ولا يبدو أنهم مجرد مخلوقات غامضة تسبح في الرمال، كما أن قوات الجيش والشرطة لم تكن في رحلة صيد، تبحث عن أكبر حصيلة ممكنة من "الإخوان" و"الغزلان"، حتى يخرج بوق إعلامي، أو حقوقي، ليتساءل برقاعة تليق بصاحب نصف ضمير، ونصف موقف، وأقل من ربع حس إنساني: لماذا تقتلونهم وهم ليسوا من "الإخوان" والمتعاطفين معهم؟ قصفتهم القوات الباسلة التي تخرج علينا، كل ليلة، ببيان تعلن فيه تصفية عشرات العناصر "الإرهابية" في سيناء، قصفتهم بطائرات الأباتشي الأميركية، ثم أرسل الجنرال العبقري من يهنئ سفارة المكسيك، بعيدها القومي، فيما لم تكن أشلاء الرعايا المكسيكيين قد جمعت من فوق الرمال بعد، ولا دماؤهم جفت. لم يكتب الأميركان في كتالوج تشغيل الأباتشي أنها تستخدم في تنشيط السياحة، بمطاردة العناصر السياحية في الصحاري والغابات، غير أنهم كانوا يعلمون، منذ البداية، أنهم يمنحونها لنظام غبي، لا يعرف الفرق بين "التنشيط" و"التمشيط"، ويدركون جيداً أنهم يسلمونها لمن لا يجيد استعمالها، إلا في الإبادة والتطهير الديموغرافي، وارتكاب الجرائم ضد الإنسانية، بذريعة الحرب على الإرهاب الذي هو حليفه وشريكه ووسيلته في الاستيلاء على الحكم وإخضاع البلاد والعباد. يدرك الجميع، الآن، أنهم يدعمون نظاما/ فردا مصاباً بالرعب من كل ما يتحرك حوله، فيعتبره أهدافاً للإغارة، يقتل سياحاً، كما يقتل أطفالاً وبناتاً، ثم يخرج ليقول إنهم إرهاب، أو مشاريع إرهاب، يقتل ديمقراطية ويطارد حياة برلمانية، خشية أن تكون أحراشاً يختبئ فيها المعارضون الإرهابيون، يقتل من المصريين بالعشرات والمئات والآلاف في غضون عامين، فيجد صمتاً راعياً ومريعاً، بحجة أنه يحارب من أجل حماية العالم من الإرهاب. لا يترك عبد الفتاح السيسي مناسبة تمر إلا ويهدد فيها المصريين بمصير اللاجئين السوريين والعراقيين، إن فكر أحد في التظاهر والوقوف ضده، لأنه هو الدولة، وإن سقط تسقط الدولة، بينما كل الشواهد تقول إن الرجل الذي يمارس على شعبه إرهاباً وتفزيعاً باحتمالات اللجوء، هو اللاجئ بالفعل، سياسياً واقتصادياً، غارقاً في الأرز، متطفلا على الدعم المالي الخليجي، والرعاية الدبلوماسية الدولية، وبشكل أساس، من روسيا والكيان الصهيوني وبعض دول الاتحاد الأوروبي، على نحو ظاهر وفج، ومن واشنطن، على نحو صامت ومستتر. يتحدث السيسي، إفكاً، عن رعايته اللاجئين السوريين في مصر، بينما الكل يعرف أن أعداد الأشقاء السوريين الهاربين من جحيم الإبادة إلى مصر تراجعت إلى أقل من نصف ما كانت عليه قبل انقلاب السيسي، كما أن وقائع التحريض على السوريين، والزج بهم في اعتصامات الرافضين للانقلاب، ثابتة وموثقة، فضلاً عن أن الدعم العسكري والسياسي من السلطة العسكرية في مصر لسلطة الأسد لم يتوقف لحظة، فبأي عقل، وأي منطق، تتحدث عن احتضان هاربين من جحيم الذين يقتلونهم بسلاحك ودعمك؟ إن صربيا والمجر لم تفعلا مع اللاجئين السوريين ما فعلته سلطات السيسي مع السياح المكسيكيين، فبأي وجه يمكن أن يتحدث هذا الرجل عن قيم إنسانية، تضطره لتأجيل استحقاقات ديمقراطية، بحجة الحفاظ على حياة المصريين؟ إنه يرهب المصريين، بقوارب اللجوء السورية، وبالرافال الفرنسية، والأباتشي الأميركية، ويمعن في البطش والقمع والقتل المنهجي للسياسة وللديمقراطية، ماضياً في طريقه إلى تحويل البلاد إلى معسكر اعتقال كبير، وهو مدرك أنه طفل العالم المدلل، مادام منصاعاً للتصور الإسرائيلي، ومنفذاً لائحة تعليمات مشروع الحرب على الإرهاب. -

في الثلاثاء 15 سبتمبر-أيلول 2015 05:14:25 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=794