مصر وكل هذا التآمر
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري
طاف الروائي المصري، بهاء طاهر، بعد أسابيع من حركة 3 يوليو، في ثلاثة بلدان أوروبية (منها سويسرا)، وفي مقابلةٍ صحفية معه، قال إنه اندهش من نفوذ منطق الإخوان المسلمين الذي صادفه في وسائل الإعلام في هذه البلدان، حين سمّت ما جرى مساء ذلك اليوم انقلاباً عسكرياً. وقبل أيام، قال النجم عزت العلايلي، في مقابلة تلفزيونية، إن رئيس الوزراء البريطاني عضو في جماعة الإخوان المسلمين، بمناسبة ترحيل لندن رعاياها السياح من مصر، بعد يقينها أن تدبيراً إرهابياً، معطوفاً على ضعفٍ أمني في مطار شرم الشيخ، أسقطا الطائرة الروسية. ليست القصة في أن العلايلي لا يعرف اسم رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون (سمّاه جون براون)، ولا في أن بهاء طاهر الذي أقام عقوداً في أوروبا لا يدرك أن مشهد ضابط يعلن، في التلفزيون، إطاحة رئيسٍ ومثول آخر محله، لا يُسمى في التقاليد الديمقراطية بغير اسمه انقلاباً، وأن "الأخونة" التي فتّش كاتب هذه السطور في القاهرة، لمّا زارها مرتين في أثناء رئاسة محمد مرسي، لم تحطّ بعد في التلفزات الفرنسية والجرائد السويسرية.
من بين كثيرٍ تعنيانه حالتا عزت العلايلي قبل أسبوع وبهاء طاهر قبل عامين أن النخب المصرية، ممثلي سينما وكتاب روايات وإعلاميين ومثقفين ومحللي استراتيجيات كبرى، منخرطة في الهذيان الضارب عميقاً الآن في مصر، منذ البهجة بالانتصار على ما كان يتم تدبيره في ميدان رابعة العدوية، مروراً بالفرحة العميقة بإنقاذ الدولة من إرهاب الإخوان المسلمين وأترابهم، بوصول عبد الفتاح السيسي إلى الرئاسة، عبوراً إلى إهداء مصر البشرية "قناة السويس الجديدة". وواقعة الطائرة الروسية مستجدّ في هذا المسار، يرفعه إلى ذرىً خارقة، ويجعلنا أمام استعصاءٍ، يتسلح التخريف فيه بمواجهات جمال عبد الناصر مع أنتوني إيدن قبل ستين عاماً، تدليلاً على انكشاف تآمر ديفيد كاميرون على مصر التي يُراد إسقاطها، وهي التي لن تسقط بسقوط طائرة، كما قال نجم آخر(حسين فهمي) في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي، من دون أن يبلُغَنا أن التصفيق الذي تم لهذه العبارة الطافحة بالأنفة لم يلغٍ القرارات البريطانية، بل تلاه تشددٌ روسي حاد، وصل إلى أن تُهمل موسكو وجود تحقيق مصري (وآخر مصري دولي!)، فتعلن أن قنبلةً أسقطت الطائرة.
يبلغ التآمر، إذن، على مصر مدى بعيداً، حين تشارك موسكو فيه، مع الأميركان والإنجليز وغيرهما، فثمّة من اشترى الروس، ليساهموا في طبخات التآمر النشطة ضد مصر، وقد قبل هؤلاء إطلاق أيديهم في سورية ثمناً. تقرأ هذه الخراريف وتسمعها في صحافاتٍ وفضائياتٍ مصرية، فتعجب من محدودية الخيال لديهما. ويحيّرك، في الأثناء، الانصراف إلى حيث المتآمرين، مع التغافل عن أن قائداً ملهماً (بكسر الهاء) تم منحه رئاسة البلاد، لا لشيء إلا أنه الأقدر على صدّ المؤامرات، ولم يكن بحاجة إلى برنامجٍ في منافسته الانتخابية مع أوراق الاقتراع الباطلة وحمدين صباحي، إذ يكفي أنه الرئيس الضرورة، وصاحب رؤية.
ليس في وسع أي دولةٍ أن تتآمر على أخرى، إلا حين تكون هذه مستضعفةً ورخوة. أما مصر، فلن يُجدي كل هذا التآمر معها، فالمفترض أن مواطنيها مطمئنون تماماً إلى أن قيادة بلدهم مفوّضة بكسر كل هذا التآمر، إخوانياً كان أو روسياً أو بريطانياً، فإذا تبدّى في بضعة أفرادٍ يدردشون في شقةٍ في القاهرة، يكون القتل العلاج الأنسب معهم، كما في واقعةٍ غير منسية في رمضان الماضي. وإذا عوين التآمر في ترحيل لندن رعاياها، فعزت العلايلي لها بالمرصاد. وثمّة صنوف أخرى للقتل، منها الخطأ الذي يودي بسياحٍ مكسيكيين، والإهمال الطبي والتعذيب اللذان يُزهقان أرواح 268 موقوفاً ومحبوساً في مراكز التوقيف والسجون، في عامين، على ما قالت مفوضية حقوقية مصرية. والأشد قتلاً أن مصر الراهنة هذا حالها، ولا تُرينا غيره، يمكث فيها عطبٌ عظيم، فتتواتر منها أخبار تبعث على الإشفاق والشفقة، فلم يعد يسلينا الإعلام التافه هناك، بنجومه إياهم، وفي الأثناء، الرئيس مصدومٌ من هول ما اكتشف من مشكلات.

في الخميس 19 نوفمبر-تشرين الثاني 2015 11:01:12 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=834