"موسم الحوريات".. متعة الحكاية
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري
يُحافظ الروائي، جمال ناجي، في روايته الثامنة "موسم الحوريات" (بلومزمبري، مؤسسة قطر للنشر، 2015) على وفائه لمفهومٍ للرواية، مبنىً لغوياً وسردياً لحكايةٍ، تتوفر على شرط الإمتاع لقارئها، عندما لا يجذبه إليها الشكل الذي يقوم عليه النص، بل أيضاً تفاصيل الحكاية نفسها وتنوّع شخصياتها وفضاءاتها الزمانية والمكانية. والبادي أن جمال ناجي (أربع مجموعات قصصية أيضاً)، مع قناعته بديمقراطية التجريب في الأشكال الروائية، إلا أن خياره الأساس، ومعتنقه الأثير في أعماله، هو متعة الحكاية، فالتشويق الذي يشد قارئ روايته إليها، منذ سطورها الأولى، مركزيٌّ في جهده وصناعته نصوصه. وقد ابتعد منذ (الطريق إلى بلحارث، 1982) عمّا تسميها نقود مطالعاتٍ حديثة "رواية المثقف" التي تنشغل بالذات والأنا، وبعوالم الكتاب والمثقفين وحواشيها، وظل منحازاً إلى ما تسميها النقودُ نفسها "رواية الحياة" التي تذهب إلى عوالم الناس الشاسعة. وإذ تنوّعت طرائق جمال ناجي في بناء حكاياته عن ناسه في رواياته، فالظاهر أنه، في أعماله الثلاثة الأخيرة "عندما تشيخ الذئاب، 2008" و"غريب النهر، 2012" و"موسم الحوريات"، آثر تقنية الأصوات المتعددة، فبناها روايات "زوايا النظر" (كتبها نجيب محفوظ في "ميرامار"، 1967)، حين يتعدّد الساردون، وتتداول شخصياتٌ في النص دور الراوي، مع احتفاظها بأدوارها الفاعلة في وقائع الرواية وأحداثها.

التشويق في "موسم الحوريات" عالٍ، وإتقان الإمساك بخيوط الحكاية المركزية، وبحكاياتٍ ثانوية عديدة، موفقٌ إلى حد بعيد. وإذ تنشغل هذه الرواية بعوالم الجهاديين، وتذهب معهم إلى أفغانستان ثم سورية، وإذ يحضر فيها خيط بوليسيٌ مثير، وتتوفر على غير عقدة، فإن هذا كله (وغيره)، وكذا المبنى العام الذي يقيمه جمال ناجي، يصنعان انجذاباً كبيراً لدى القارئ تجاه القصة كلها، فتتيسر له متعة الحكاية، لا ببساطة الوقائع وتفاصيلها، بل أيضاً بالإيقاع المتئد، والمتسارع أحياناً، للأحداث المتتالية، وباللغة التي أجاد الروائي تمثّلها، فتمايزت بين لغات المتدينين والانتهازيين والجهاديين والنساء المغلوبات، فاستطاعت جميعها أن تكشف عن جوانيّات الشخصيات وجوارحهم.

ومن مفارقاتٍ كاشفةٍ، هنا، أن خمس شخصيات تتناوب السرد في جديد جمال ناجي، وإنْ كانت تقوم إحداها بمقادير أوفى في ذلك من الآخرين، إلا أن شخصيتين مركزيتين في العمل ليستا من هؤلاء: شرحبيل، الذي يغادر الأردن إلى أفغانستان لقتال قوات "الأطلسي" هناك، ثم إلى سورية، ليشارك مع "إخوانه المجاهدين" في مقاتلة النظام هناك. وفواز باشا الذي تسيطر على مداركه نبوءة عرافة أبلغته أن ولداً من صلبه سيقتله. ولم يكن هذا الولد غير ذلك الشاب الجهادي الذي حملت به أمه من ممارسة غير شرعية، قبل ثلاثين عاماً، مع فواز باشا، رجل الأعمال الثري والنافذ. تبدو الرواية كأنها عن محاولة هروب الأخير من "القدر" الذي يتربّص به من ذلك الابن الذي لم يكن يعلم بوجوده، وعن خوفه منه، وعمله من أجل قتل هذا الابن، ولو في سورية نفسها.

يغيب شرحبيل، في مختتم الرواية في عمليةٍ قتاليةٍ في سورية، لكن النص لا يؤكد نيله الشهادة التي أرادها. ويُصاب (والده) بجروح خطيرة، في عملية اغتيالٍ استهدفت مدير العلاقات العامة لديه وأمين أسراره، ولا يغادر الاثنان الحياة. كأن الرواية، في مرسلتها الخفية، تنبئ عن أن "لا أحد يستطيع ردّ ما قضت به الأقدار"، على ما أبلغ عرّاف هندي فواز باشا ورجله هذا (السارد الأكثر حضوراً)، لمّا ذهبا إليه في يومباي، وهناك شاهدا "أفعى تتلوى في النار ولا تموت". ولعلها "موسم الحواريات" روايةً عن أفعى أخرى في نار أخرى، ولا تموت، في راهنٍ عربي، تهيمن عليه المناخات التي يرسمها أهل التطرف الشنيع وأجواء القتل، متوازيةً مع نفوذٍ للفاسدين والانتهازيين والوصوليين. ... هؤلاء وأولئك، وبينهما نسوةٌ مهملاتٌ وحيارى، هم ناس رواية جمال ناجي الجديدة، ومتعة الحكاية فيها مثيرة وشائقة. 


في السبت 12 ديسمبر-كانون الأول 2015 07:10:43 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=857