عندما نبحث عن أصل العلّة
كاتب/عبد اللطيف السعدون
كاتب/عبد اللطيف السعدون
أثارت مقالتي "عن بلادٍ تُساق إلى حتفها"، في "العربي الجديد" في 27 أبريل/ نيسان، شجناَ كثيراً لدى مهتمين بما يحصل في العراق وبتداعياته. علق أكاديمي شاب في "فيسبوك" غاضباً: ".. وماذا بعد الحديث، والحديث، والحديث؟ ألا تقترح حلاً أو فكرة؟ هل مشكلة العراق هي نتاج الثلاث عشرة سنة الماضية فقط؟ وماذا عن حروبٍ وشهداء وإعدامات حدثت سابقاً؟ أنتم جيل شاهدتم أكثر مما شاهدنا. لذا، عليكم أن تشخصوا العلة بصورتها الكاملة".
لم يشخص الأكاديمي الشاب العلة، ولم يطرح حلاً، وفضل أن يعلق العبء على مشجبنا، نحن أبناء الجيل الذي سبقه.
كتب آخر في "تويتر" بنبرة يأس: "تباً لكم، جميعا تستحقون أكثر من ذلك". قذف شتيمته بوجهنا وانصرف، ولم يملك الشجاعة ليقول: "تباً لنا جميعا"، فقد شاء أن يُقصي نفسه عن المسؤولية، وعن تحمل عقوبة جلد الذات.
علق ثالث: "لماذا تحاولون إشاعة اليأس، إذا كان ثمّة من يسوق البلاد إلى حتفها، لماذا لا تعترفون، أيضاً، أن هناك قيادات مخلصة داخل (العملية السياسية)، تعمل على وقف الانحدار؟ ألا ترون بأعينكم ما يجري في بغداد هذه الأيام؟"
الأسئلة الملقاة، عبر هذا الشجن، جارحة، وقد تكون أجوبتها جارحةً هي الأخرى. صحيح القول إن أصل العلة قد يرجع إلى عقود، وربما إلى بداية العراق الحديث، وتأسيس "المملكة العراقية"، وسط ظروف صعبة وخانقة، خفف من حدّتها، آنذاك، شيء من حكمة، وشيء من تجربة. وقد يرجع إلى العاصفة الدموية التي أنهت عهد الملوك، وسلمت مقادير البلاد إلى فئة "العسكرتاريا"، وأطلقت حكماً شعبوياً أقصى رجال المدينة، وعمل على ترييف حواضر البلاد، وقد يرتبط بسنوات حكم صدام حسين، الذي شرعن الاستبداد والقمع، وأشعل خصوماتٍ وأحقاداً اتخذت ذرائع لمعارضاتٍ سلمت أمرها للأميركي الذي غزا البلاد.
الصحيح قبل ذلك وبعده أن البلاد ظلت، في كل تلك العهود، عزيزة منيعة، والدولة مهيبة الجانب، وصاحبة قرار حر ومستقل، وإن كان الهامش الديمقراطي محدوداً حيناً، أو منعدماً حيناً آخر، وإن استعصت على المواطن حريته في التعبير، والتغيير، واحترام الرؤية والموقف أحياناً كثيرة.
كانت فلسفة الحاكم في ذلك الزمان تركز على أن استقلال البلاد وقوتها، ووحدة أبنائها قبل حرية المواطن، حيث أن الحرية، ومثل هذا الكلام يعزى إلى جمال عبد الناصر، إذا ما فقدت أو غيبت يمكن استعادتها يوماً، أما البلاد إذا ما احتلت أو استبيحت، والدولة إذا ما فقدت أو غيبت، والوحدة الوطنية إذا ما تشظت وانقسمت، فإن استعادتها لا تتطلب جهداً عظيماً وحسب، إنما تحتاج لفعل تاريخي استثنائي، تتولاه قياداتٌ من نمط خاص، مقتدرة وواعية، وذات أفق استراتيجي عريض، ورؤية شاملة وسليمة.
الصحيح، أيضاً، أن بلادنا اليوم مستباحة، قرارها بيد الأجنبي، ودولتها مغيبة، ووحدتها الوطنية مهددة بالانقسام والتشظي، وفقد أبناؤها سلامهم الداخلي، فيما يعمل قادتهم على إدامة "العملية السياسية" الطائفية التي جاء بها المحتلون، وحملت كل هذه الشرور والموبقات.
والناس الذين خرجوا إلى ساحات بغداد، واقتحموا المنطقة الخضراء وبرلمانها يعرفون ذلك كله، ويعايشونه يومياً، وقد أعطت انتفاضتهم جرعة أمل بإمكانية الحل، لكن قياداتها حملت بين جنباتها "كعب أخيل" الذي أفقدها الشجاعة والرؤية الحكيمة، لإكمال الشوط إلى مداه، والعمل على إسقاط العملية السياسية الماثلة، والشروع بعمليةٍ سياسيةٍ وطنية، عابرة للطائفية والعرقية، وضامنة لتأسيس عراق جديد حقا، موحد وحر ومستقل. ولذلك، تراجعت تلك القيادات عن هذا المطلب، ورضيت بترميم "العملية السياسية" الطائفية، على قاعدة أن ليس في الإمكان أحسن مما كان.
واكتشف العراقيون أن التغيير لا يمكن أن يتم إلا على أيدي أناسٍ لهم القدرة على تغيير أنفسهم أولاً، ولا نعتقد أن قادة العراق اليوم من هذا النمط الاستثنائي.
يقول أناتول فرانس: "كل التغييرات، حتى التي طال انتظارها، تحمل شروراً ومرارات، لكن تجاوز تلك الشرور والمرارات لا يمكن أن يتم إلا على أيدي أناسٍ، لهم القدرة على تغيير أنفسهم أولا"
في الأربعاء 04 مايو 2016 05:44:55 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
https://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://samapress.net/articles.php?id=957