عن العرب والصين
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري
كان مثيراً لتأمل صاحب هذه السطور أن يلحظ أن عبارة الترحيب المتكرّرة في جنبات فندق أقام فيه في الخرطوم، في زيارةٍ قبل ثماني سنوات، مكتوبة باللغتين، الصينية والإنجليزية (لا داعي للترحيب بالعربية!). بدا الأمر دلالةً على ما تأتّى للصين من حضور كبير في السودان، في مشروعاتٍ زراعيةٍ وصناعية، وفي أعمال البناء وإنشاء الطرق، الأمر الذي يتوازى مع "تمدّد" صيني ملحوظ في أفريقيا، ومع تطوّر متسارع أصبحت عليه العلاقات بين الصين ودول الخليج العربي، يأخذ منحى تعاونٍ وحوارٍ مستمر، ومصالح ومنافع اقتصادية، يتبدّى في زيادة وتيرة الزيارات المتبادلة لكبار المسؤولين. ففي العقدين الماضيين، شهدت العلاقات العربية مع هذا البلد، ذي القدرات والإمكانات الهائلة، والعضو الدائم في مجلس الأمن، نهوضاً عريضاً التقى فيه الاقتصادي بما هو سياسي وثقافي وحضاري.

هذه العلاقات بين العرب والصين، في راهنها وماضيها، وما يحيط بها من تفاصيل، والمدى الذي تذهب إليه، بالنظر إلى الطموح الواسع الذي تختبره الصين في صلاتها، الإقليمية والدولية، كانت موضوع المؤتمر العلمي الذي عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في الدوحة، واختتم أمس، وشارك في تقديم أوراقه الثلاثين، ونقاشها، أكثر من أربعين باحثاً عربياً وأجنبياً، عدد وازنٌ منهم خبراء صينيون. ويمثّل المؤتمر، باتساع القضايا التي جاء عليها، وخاض فيها، مساهمة بحثية عربية جديدة في مجالها، ساعد في تأكيد أهميتها أن أهل الاختصاص من الخبراء الصينيين استمعوا من نخبة عربية، مشدودةٍ إلى المجرى الديمقراطي والحقوقي الإنساني، إلى مؤاخذاتٍ صريحةٍ بشأن مقاربة المؤسسة الحاكمة في بكين بعض القضايا العربية، وخصوصاً بعد تحولات انتفاضات ربيع ما بعد العام 2011، ولا سيما المحنة السورية، ومن ذلك استخدام الصين حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، ثلاث مراتٍ، لمنع صدور قرار يدين عسف النظام السوري ضد شعبه.

استغرق تطلع الصين إلى الأسواق العربية، وإلى تثميرها التعاون بينها وبين الدول العربية، في مجال الطاقة وغيره، وكذا على صعيد المشروع الاستراتيجي الكبير الذي تمضي فيه، وهو "مبادرة بناء الحزام والطريق"، وتهدف منه إلى إحياء "طريق الحرير" القديمة، على خطوط جديدة بين القارات، استغرق ذلك كله القسط الأكبر من انشغالات أوراق المؤتمر، من دون إغفال القضايا السياسية، ذات الطابع الاستراتيجي خصوصاً، والمتشابكة مع حسابات إقليمية، والمتصلة حكماً بمنظور الصين إلى علاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وإسرائيل. والظاهر أن البعد الاقتصادي، وما يرتبط به من منافع، يتغلب على أي عوامل أخرى لدى صانع القرار في بكين، إذ تنبني عليه مختلف الرهانات والطموحات، من دون كبير اعتناءٍ بدور سياسي فاعل، أو طامح إلى أن يكون فاعلاً ومؤثراً، في غير ملف، والاكتفاء بالإطلال على الأزمات والقضايا، والتمترس وراء ما يمكن حسبانه رُهاباً من نزوع الشعوب نحو التحرّر من الاستبداد والشمولية، ومن تطلعات قومياتٍ إلى تجسيد هويتها وثقافتها. ويمكن ردّ الأمريْن إلى مخاوف كلاسيكيةٍ مقيمةٍ في أفهام الحاكمين في الصين من أن تستيقظ في جنبات بلادهم ما يماثل تينك النزعات والتطلعات.
وليس في وسع المواطن العربي، كما غيره في غير مطرحٍ في أرباع الأرض، إلا أن يمحض أهل الصين إعجاباً بهذا الصعود الاقتصادي والإنمائي في بلدهم، بعد أن كان محسوباً من بلدان الفقر، وها هو ناتجه المحلي الإجمالي يقفز من نحو 6% من ناتج الولايات المتحدة إلى ما يزيد على 60% منه في العام 2015، وأن يصير ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وبفارق كبير بينها وبين اليابان التي تأتي بعدها (بحسب ورقة الباحث سمير سعيفان)، غير أن المواطن العربي يودّ لو يرى التفاتاً من الصين إلى قضاياه، في فلسطين وسورية وغيرهما، بعيونٍ مغايرة .. ولكن، أليس العرب أنفسهم أدعى إلى مساءلة أنفسهم عن مقادير من المسؤولية على عاتقهم عن حال الصين هذا... وحال غيرها أيضاً؟

في الإثنين 23 مايو 2016 05:23:06 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=964