عن مجتمع "الأسطورة" في مصر
استاذ/خليل العناني
استاذ/خليل العناني
لا يمكنك وأنت تتابع مسلسل "الأسطورة" الذي أُذيعت حلقاته في شهر رمضان، إلا أن تعيد التفكير في تحولاتٍ كثيرة شهدها، ولا يزال، المجتمع المصري طوال العقدين الماضيين. وهي تحولاتٌ لم تترك أحداً إلا وأتت عليه، فأعادت تشكيل وعيه وفكره ورؤيته عن نفسه وعلاقته بالعالم من حوله. يأخذك المسلسل في جولة "غطس" داخل أعماق المجتمع، بكل فئاته وطبقاته، الغنية والفقيرة، القوية والضعيفة، المؤثرة والمهمَشة. كوكتيل من المشاعر والانفعالات والمواقف التي تثير التأمل والتفكير، وهو المسلسل الذي احتلّ مساحة مهمة لدى المشاهد المصري، حسب تقارير إخبارية، وكان له صدى بين أبناء الطبقتين الوسطى والفقيرة، ما يعكس قدرة المسلسل وأداء طاقمه على أن يعكس واقع الحال.
لست ناقداً فنياً أو أدبياً كي أقيّم المسلسل، وهو الذي قد يبدو عادياً كعمل درامي (ربما عاديته سرّ نجاحه وتميّزه!). لكن ما يلفت النظر تشريحه وتفكيكه العلاقة الثلاثية بين السلطة والمجتمع والأفراد، وهي علاقة يقف في خلفيتها خيط ناظم واحد، هو الحراك الاجتماعي المحتجز في مصر، والذي يمكن أن يحوّل الأفراد، مع سياسات التهميش ومشاعر الظلم وعدم العدالة الاجتماعية، إلى قنبلةٍ موقوتةٍ تصل بهم إلى حد العدم، على نحو ما جسّدته شخصية ناصر الدسوقي، وأخيه رفاعي، اللذين أدّا دورهما ممثل واحد (محمد رمضان). يقف المسلسل عند تقاطعات عوالم ثلاثة متصارعة ومتناحرة، ليس فيما بينها، وإنما داخلها أيضا: عالم الفقراء والمهمشين، وجسّده الصراع بين عائلتي الرفاعي ومحمد النمر، وعالم الأغنياء الذي يرفض صعود الفقراء والمهمشين إليه، كما هي الحال مع عائلة تمارا التي جسّدتها ياسمين صبري باقتدار، وعالم السلطة والنفوذ والذي تجسّد في شخصية رجل الأعمال وتاجر السلاح بدر، ومعه ضابط الشرطة الفاسد كمال مراد الذي كان يعمل لصالحه.
"فقدان معايير العدالة الاجتماعية وانعدام الأمل في مجتمعات تعج بالمشكلات والفوضي الاجتماعية، يوفر بيئة خصبة لتحويل مشاعر الظلم والاغتراب إلى قنابل موقوتة"

انطلق التحول الدراماتيكي في المسلسل من مسألة استعصاء الحراك الاجتماعي في مصر، وفشل أبناء الطبقة الفقيرة في الانتقال إلى الطبقتين الوسطي أو العليا. هذا الاستعصاء، كما جسّده المسلسل، وهو ما يعكس الواقع أيضاً، ليس ناجماً عن ضعف القدرة أو الإمكانية التأهيلية. ولكن، نتيجة سلم اجتماعي مشوّه وفاسد، لا يعترف بالكفاءة والإمكانات الفردية، وإنما فقط بالمكانة والخلفية الاجتماعية للأفراد. وهو ينطوي أيضاً على معنىً أكثر خطورةً هو فقدان التفوق التعليمي أي ميزةٍ قد تعين صاحبها على الترقّي الاجتماعي. وهناك عشرات القصص الحية والحقيقية، وليست الأساطير، تسجل حالات الاغتراب التي يشعر بها المتفوقون علمياً، بعد أن يتم إقصاؤهم وتهميشهم اجتماعياً، فيكون مصيرهم الانحراف، أو الهجرة، أو الانتحار كما حدث مع الشاب المصري عبد الحميد شتا، وكنت أعرفه شخصياً، عندما ألقى بنفسه في مياه النيل عام 2000، بعد رفض المسؤولين قبوله في السلك الدبلوماسي، على الرغم من تفوقه الأكاديمي في حقل العلوم السياسية، وذلك بسبب خلفيته الاجتماعية.
قطعاً ليس كل من يجري تهميشه مجتمعياً يتحوّل إلى مجرم أو "بلطجي" كما جسّده ناصر الدسوقي، كما أن رفض الحراك الاجتماعي لا يعني بالضرورة الذهاب باتجاه العنف والإجرام، وإنما المقصود، هنا، فقدان معايير العدالة الاجتماعية وانعدام الأمل في مجتمعات تعج بالمشكلات والفوضي الاجتماعية، يوفر بيئة خصبة لتحويل مشاعر الظلم والاغتراب إلى قنابل موقوتة تعود فتنفجر في وجه المجتمع. وفي مجتمعاتٍ مشوّهةٍ اقتصادياً واجتماعياً، كحالة مصر، يستحوذ فيها أقل من 5% على نحو 95% من الثروة، بحكم تركيبة النفوذ والسلطة والفساد، فإن فرص الانتقال أو الحراك الاجتماعي "الطبيعي" من طبقة إلى أخرى تبدو صعبة للغاية، وتكاد تكون مستحيلة. وإذا نجح أحد أفراد الطبقة الدنيا في العبور إلى عالم الطبقة العليا، فإنه يصبح بالفعل "أسطورةً"، ولعل هذه هي الرسالة التي حاول المسلسل إيصالها. فقد حاول ناصر الدسوقي الولوج إلى عالم الكبار، بالاعتماد على تفوقه الجامعي، وحصوله على المرتبة الأولى في كلية الحقوق، بحسب المسلسل، كما حاول الزواج من شابة ثرية (تمارا)، لكنه قوبل برفض شديد، نظراً لانتمائه للطبقة الفقيرة، فكان أن اتخذ المسار الآخر للحراك، وهو مسار الثراء من خلال كسر القانون، وعبر أعمال العنف والإجرام والبلطجة، في رسالة تحدٍّ واضحة للمجتمع، ولطبقاته العليا بشكل خاص.
يعبر "الأسطورة" عن مخزون من الآمال والطموحات المكبوتة لدى فئات كثيرة مسحوقة في مصر، وهو أصبح بالنسبة لأبناء هذه الفئات بمثابة "الأسطورة" أو "الحلم" الذي يرغبون بتحقيقه (خصوصاً بعد أن فشلت الثورة في ذلك بسبب انكسارها أمام الثورة المضادّة). لذا، لم يكن غريباً أن نقرأ تقارير كثيرة حول إعجاب هؤلاء بشخصية البطل ناصر الدسوقي، ومحاولة تقليده في مظهره وملبسه. وكأنهم بذلك ينتقمون من الأغنياء وأصحاب النفوذ والسلطة، من خلال الذوبان في شخصية "الأسطورة". كثيرون من هؤلاء لا يجدون طريقاً سوياً لتحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، ويصبح الترقي السريع، ولو بالانخراط في العمل اللامشروع، هدفاً مركزياً لهم، حتى وإن كانت نهايته الحسرة والعدم، كما حدث مع بطلهم ناصر الدسوقي. وما حياة كثير من هؤلاء سوى دراما كبيرة، تبحث دائماً عن "أسطورةٍ" تعينها على التعايش مع واقعها المؤلم.

في الثلاثاء 12 يوليو-تموز 2016 08:14:21 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=982