بعد عودة الروس إلى أنطاليا
الكاتب/معن البياري
الكاتب/معن البياري
هبطت في مطار أنطاليا، أول من أمس، طائرةٌ نقلت 189 سائحاً روسياً إلى هذه المدينة التي تعدّ العاصمة السياحية لتركيا. وهذا مستجدٌّ بالغ الأهمية، بعد رفع الرئيس فلاديمير بوتين، نهاية الشهر الماضي، حظرَه سفر السياح من مواطنيه إلى تركيا، وكان قد قرّره في غضون احتدام الأزمة المعلومة بين موسكو وأنقرة، بعد إسقاط مقاتلةٍ تركيةٍ طائرةً حربية روسية فوق الأجواء التركية، ومقتل قائدها، في نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي. وتعدّ عودة السياح الروس إلى أنطاليا (خصوصاً) أحد عناوين عودة العلاقات الروسية التركية إلى الانتعاش الكبير الذي كانت عليه، لمّا كانت تركيا تستقبل 3.5 ملايين سائح في عام 2014، ينفقون فيها نحو 6 مليارات دولار. كان قرار بوتين ذاك شديد الإيلام، وذا كلفة قاسية، وأن يلغيه بعد يوم من اتصال الاعتذار (أو الأسف؟) من الرئيس التركي، أردوغان، معه، فذلك يعني أن جريان استعادة العلاقات الاقتصادية بين البلدين عافيتها سريع، ولن تعرقله أعمال لجان ولا بيروقراطياتٌ لا مدعاة لها، فالقرار استراتيجيٌّ، وعنوانه الأوضح أن الزعل السياسي والتصعيد الإعلامي مهما بلغا من حدّةٍ، ليس مسموحاً أن يستمرّا، كأنهما من الأقدار التي لا رادّ لها. ولأن كلفتهما عالية، كما اتضح، على المواطنين الروس والأتراك، في بلديهما، فإن نزول أردوغان عن الشجرة التي صعد إليها (وبصحبة بوتين؟) أنفع وأجدى، وإن استطاب معلقون في تلفزات ومطبوعات وفضاءات إلكترونية، في غير عاصمة عربية، الثرثرة عن هزيمة السلطان و"الإخوان".
سياحة أولئك السياح الروس، و750 ألفاً مثلهم في ما تبقى من الصيف الجاري، في أنطاليا وحدها، يتقاطرون إلى هذه المدينة التي تنتظرهم منتجعاتها الباهرة، تعني استعادة كل أوجه الصلات الاقتصادية بين روسيا وتركيا انتعاشها المعلوم (30 ملياراً التبادل التجاري)، واستئناف المشاريع الكبرى بينهما وتيرتها. ولكن، هل تنجم عن هذا كله استداراتٌ في السياسة التركية الخارجية، تعيد بشار الأسد صديقاً لأنقرة، وتأخذ رئيس الوزراء، بن علي يلدريم، إلى القاهرة، لتوقيع اتفاقات مع حكومة عبد الفتاح السيسي؟ يغالي صحافيون عرب، يقيمون على بغضٍ مرضيّ تجاه الأردوغانية، في اشتهائهم هذين الأمرين، معطوفيْن على طرد السلطات التركية كل إخواني مقيم في أراضيها.
مع التسليم بحاجة الرئيس أردوغان، وفريقه، إلى مراجعةٍ ضرورية لسياساته وأدائه، وهذه حاجة كل نظام سياسي يعرف حدود الثابت والمتغير، والمسافة بين المبدئي والمصلحي، والفرق بين البراغماتي والأخلاقي، مع التسليم بتلك الحاجة، يجوز السؤال عمّا إذا كانت السياسة لا تصير سياسةً إلا بتأهيل بشار الأسد وصحبة عبد الفتاح السيسي ومخاصمة راشد الغنوشي؟ هناك مساحاتٌ وفيرة لدى الرئاسة التركية للابتعاد مسافةً والاقتراب مسافةً أخرى في هذا الشأن وذاك، فالنزول عن أي شجرةٍ لا يعني الهبوط إلى حفرة. ولمّا كانت العلاقات مع روسيا بوتين على أحسن ما يكون، قبل واقعة تلك الطائرة، فإن الخلاف معها كان شديد الوضوح في ملف سورية وغيره. وإذا أمكن تالياً الوقوع على بعض مساحات تفاهمٍ بين أنقرة وموسكو، من شأنه إنقاذ ما يمكن إنقاذه في سورية (ولو بعد خراب مالطا) فلماذا لا نلتقط النافع في هذا الأمر، بدل التشفّي الكاريكاتيري بأردوغان بشأن سورية وغيرها.
ثمّة الكثير مما يحسن أن ينتبه إليه المولعون بطعن الأردوغانية بما فيها وما ليس فيها، في الاستدارة التي نُعاينها هذه الأيام في السياسة التركية، بشأن روسيا وإسرائيل، من قبيل الوقوع على المعنى الجوهري لأي عملية تفاوضٍ سياسية، وكيف تتلملم فيها حسابات الاقتصاد ورهانات الكسب والخسارة، مع عدم القفز عن المصالح العليا للدولة. ثمّة مخازٍ كثيرة في مفاوضات عربٍ غير قليلين ومحاوراتهم مع العالم، مع الأعداء والخصوم والأصدقاء، بل مع بعضهم أيضاً. وبعد الحذاقة الإيرانية في مفاوضات الملف النووي إياه، تذكّرنا المراوغة التركية في المسألتين، الروسية والإسرائيلية، بسامح شكري في التفاوض مع إثيوبيا، وبأحمد قريع في محاورة تسيبي ليفني. وفي الأثناء، تبتهج منتجعات أنطاليا بالسائحين الروس فيها، وهذا هو الأهم في أنقرة.

في الثلاثاء 12 يوليو-تموز 2016 08:19:46 م

تجد هذا المقال في سما برس - الرئيسية
http://samapress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://samapress.net/articles.php?id=985