آخر الأخبار :

التحوّل العكسي للمعارضة المصرية

خيري عمر
خيري عمر
2016/11/29 الساعة 06:21 مساءً
مع إثارة الجدل حول المسارات السياسية في مصر، لقيت أفكار التسوية السياسية انتقاداتٍ حادة، باعتبارها تخلياً عن الثورة وهدراً للحقوق، وهي تستند للمنطق الصارم للأيديولوجيا، ما يثير التساؤل بشأن تطور الدور السياسي للأحزاب السياسية والمعارضة منذ ثورة يناير 2011، حيث أن الاقتراب من خبرة الأحزاب وقدراتها يساعد في فهم النتائج الراهنة، وفرصتها في إحداث تغيير سياسي.

من خطاب الثورية إلى الاحتجاج
سادت، في الفترة اللاحقة لـ"يوليو 2013 "، قناعة بتصحيح سريع للعلاقات المدنية ـ العسكرية، واستعادة "الشرعية"، ولكن، نتيجة إخفاق التوقعات المبكرة بانهيار السلطة، اتجهت المعارضة إلى تأسيس "كيانات ثورية " في الخارج، باعتبارها ركيزةً لتطوير المسار الثوري، وتأسّست، في البداية، على فكرة استعادة الشرعية، ولاحقاً ظهرت اتجاهاتٌ تطالب بفكرة استعادة الديمقراطية، وهو ما يعكس اختلاف توجهات المعارضة بين الثورية والإصلاحية.

وبشكل عام، تعبر الكيانات "الثورية" عن تحالفاتٍ غير متجانسة، بين جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب (والتيارات) الأخرى، ويغلب على هذه النوعية من التحالفات، أنها لا تتمتع بأداء مستقر بسبب تحول الاختلافات الفكرية لأزماتٍ سياسية، تحول دون إنضاج أي مشروع سياسي، وتقف مرتبكةً أمام الوصول إلى التفاهم حول الحد الأدنى المشترك، وتتضح معضلات العمل المشترك من الإعلان عن "وثيقة بروكسل" ثم "بيان القاهرة" وأخيراً "مبادرة "واشنطن" ( الأعمال التحضيرية للجمعية الوطنية). ترتّب على غياب إطار واضح للمعارضة حدوث انكماش للحراك السياسي، فضلاً عن تحول المعارضة إلى كياناتٍ صورية.

وتشكل خبرة "تحالف دعم الشرعية" واحداً من أنماط التحالفات الضعيفة، فعلى الرغم من انضواء عدد كبير من الأحزاب والتيارات السياسية تحت مظلته، فإنه شهد حالةً من التفكك مع نهاية 2014، على خلفية تراجع المشاورات الداخلية حول مسار العمل السياسي، وهو ما ترتب عليه خروج حزب الوسط في أغسطس/ آب 2014 ، وتململ حزب البناء والتنمية وأحزاب أخرى من سياسات التحالف، والذي انتهى بانسحابها منه في مطلع 2016. ينطبق ذلك أيضاً على "المجلس الثوري" (نسخة المنفى لتحالف دعم الشرعية)، حيث عانى من الانقسامات وإعادة التشكيل، من دون حدوث تكيف في عضويته أو محتواه الفكري أو رؤيته السياسية، وصار أقرب إلى تحالف استبعادي، وليس تجميعياً.

يكشف ذلك الوضع عن حالة تدهورٍ في البنية السياسية للمعارضة، كانت انعكاساً لعاملين؛ عيوب الفجوة والقدارت التنظيمية بين مكوناتها، واختلاف النظر تجاه معالجة الأزمة السياسية، على الرغم من انتماء غالبية كيانات المعارضة للخلفية الإسلامية، ما يشير إلى معضلة استمرار الفاعلية السياسية واتجاهها نحو الانحدا

وبمرور الوقت، ظهرت أفكار مختلفة للخروج من الأزمة، دارت ما بين استعادة الشرعية واستعادة المسار الديمقراطي، وهو خلافٌ، على الرغم من محدوديته، ارتبط بالجدل حول مدى الالتزام بـ"الثورة"، ما أدى إلى تراجع أفكار استعادة الديمقرايطة وغموضها، وهو ما يمثل انعكاساً لحالة الاستقطاب في المناقشات بشأن مستقبل الدولة والحوار السياسي.

وبشكل عام، كشف أداء المعارضة عن سمتين هما؛ ضعف تماسكها السياسي، حيث ظلت منقسمةً حول الخيارات السياسية، كان آخرها الخلاف الأيديولوجي حول مبادرة "وطن للجميع"، ولعل السمة الأخرى تمثلت في انكماش التأثير الخارجي للمعارضة، حيث شهدت تراجعاً في التأييد الدولي، وخصوصاً مع بعدها عن عمليات التشكل الجديدة في الدولة، ما ترتبت عليه محدودية التأثير السياسي، وبشكلٍ تعطي فيه فرصةً لاستمرار قواعد توزيع القوة السياسية ومعادلاتها، في الدولة القائمة منذ عام 1952.

صارت التحوّلات من الثورية إلى الاحتجاج تشكل السمة الغالبة على كل أطراف المعارضة، ليس فقط بسبب انخفاض نوعية العمل السياسي، ولكن بسبب ضعف إدراك المسارات السياسية وانتظار انهيار النظام من داخله، فقد ركّزت المعارضة على محورية إفشال السلطة، من دون التفكير في سياسات بنائية، تعبر عن تصوراتها البديلة لإصلاح الدولة، وهي صورة للمناكفة أدّت إلى انخفاض تأثيرها. فبمراجعة خطاب المعارضة تجاه الدعوة إلى مظاهرات 11 نوفمبر، يمكن ملاحظة أنه خطابٌ يعبر عن الحيرة تجاه حدثٍ يتوافق مع سياساتها، وهي حيرةٌ ترجع، في أساسها، ليس لغياب المعلومات. ولكن، لتبني خياراتٍ نمطيةٍ تفتقر إلى وسائل تحقيقها، فعلى الرغم من التراجع النوعي في أداء المعارضة، فإنها ما زالت تتبنى الخيارات الصفرية، وتبدو أكثر انزعاجاً عند الحديث عن الواقع واعتباراته، غير أن "غد الثورة" يتجه إلى طرح سياق سياسيٍّ، يعطي فرصة لإعادة قراءة المشهد السياسي بصورةٍ تعيد صياغة المعارضة السياسية.

ندرة الخبرة السياسية للأحزاب
منذ العام 2011، لم تكن نظرة الأحزاب السياسية إلى مسألة السلطة والوصول إلى الديمقراطية واضحة، فبعد فبراير/ شباط 2011، دخلت في صراعاتٍ غير واعية حول أولويات المرحلة الانتقالية، ما بين الدستور أولاً أو الانتخابات أولاً، وهو خلافٌ يعكس نقص الخبرة بالقضايا الانتقالية، ويرجع إلى ضعف خبرتها في الحكم، أو بناء كيانات فاعلة.

وتمثل الخبرة الراهنة امتداداً للتجارب السياسية في 2011، فلدى مراجعة تجربة "التحالف الديمقراطي من أجل مصر"، فإنه من الممكن تصنيفه ضمن التحالفات الهشّة، ليس بسبب اختلاف طبيعة عضويته. ولكن، بسبب محدودية أهدافه وفشله في تكوين مظلةٍ سياسية مستقرة، حيث انقسم التحالف أمام المسائل السياسية، كالانتخابات التشريعية في 2011 ووثيقة "المبادئ فوق الدستورية".

ولذلك، كان متوقعاً أن يؤدي وصول "الإخوان" إلى السلطة إلى زيادة التوتر السياسي، بسبب خبرة الصراع المزمن مع العسكريين، كما أدى عدم إدراك التباين بين الطرفين، أو تداركه لاحقاً، إلى نتيجيتن على مستوى من الأهمية. الأولى أنه ساهم في حدوث انقساماتٍ بين سلطات الدولة أدت، في النهاية، إلى إطاحة الديمقراطية. وتمثلت الثانية في أن محاولات "الإخوان" في التحالف مع جهاز الدولة باءت بالفشل، لعوامل كثيرة، منها خلو الجماعة من التحالفات السياسية أو الاجتماعية، وسارت نحو حالة انكشافٍ بدأت مرحلتها الأولى مع دخول انتخابات الرئاسة في 2012، وانتهت بتفكك تحالفات المعارضة مع بداية 2016، ويشير هذا الاتجاه إلى انحسار القدرات السياسية، من دون وضوح سياسةٍ لوقف تدهورها فضلاً عن تنميتها.
 
ولذلك، تبدو أهمية تعريف العوامل التي شكلت مشهد 30 يونيو 2013 أساساً للتعامل مع الأزمة السياسية. وهنا، يمكن القول إن الاستقطاب المعقد في أنماطه؛ السياسية والاجتماعية والدينية، يلقي بمسؤوليةٍ مشتركةٍ على كل من الحكومة والمعارضة عن النتائج السياسية اللاحقة، خصوصاً أن حالة الاستقطاب كانت حالةً مصاحبةً لثورة يناير. ولذلك، لم تكن معارضة محمد مرسي وليدة سياساته، بقدر ما كانت امتداداً للخلاف حول الخيارات السياسية منذ 2011. وبالتالي، لا يمكن تصنيفها حدثاً طارئاً بقدر ما هي انعكاس لأزماتٍ فكرية وسيولة سياسية.

كما مهّد دخول السلفيين المجال السياسي لزيادة الانقسامات الإسلامية ـ الليبرالية، وحدوث حالة ظاهرية لتحالف الإسلاميين، ساهمت في تفاقم التناقضات والصراعات السياسية، فلم تكن هذه النتيجة الوحيدة للظهور السياسي للسلفيين، لكنها ساهمت، أيضاً، في إضعاف تحالفات الإسلاميين، وبشكل أدى إلى تدهور أداء المؤسسات السيادية وحل مجلس النواب (يونيو/ حزيران 2012)، والصراع حول الجمعية التأسيسية ومشروع الدستور.

ولذلك، من المهم أن يأخذ النظر إلى المستقبل في الاعتبار العوامل المؤسسة للأزمة، وتلك التي تدفع إلى استمرارها. طرحت تداعيات السنوات الثلاث الماضية إشكالياتٍ يصعب تجاوزها، فلدى التصدّي للحل السياسي، بأوضاع متنافرة وتفاقم أزمة بين مسارات دستور 2012 والسياقات التي أدت إلى تعديلاته الواسعة في 2014. لم يعد هذا مشكلة نظريةً أو جدالاً سياسياً، لكنه تجسد في مظاهر اجتماعية وسياسية ومراكز قانونية، يتطلب النظر فيها مراعاة قطع الطريق على الصراع الاجتماعي، خصوصاً في ظل ندرة أفكار النظر للمستقبل.

المبادرات اللاسياسية
تشير خبرة الفترة الماضية إلى أن ثمّة تركيزاً على المبادرات الإعلامية، من دون الاقتراب من توصيف مكونات الأزمة والخروج بمقترح يأخذ في الاعتبار طبيعة المعادلة السياسية القائمة، وليس بالاستعانة غير المنهاجية بتجارب أخرى، تختلف خصائصها عن التركيبة السياسية في مصر.

ويمكن ملاحظة أن الخلفية التي قامت عليها المبادرات استبطنت إمكانية التفاوض على انهيار النظام القائم، من دون امتلاكها الأدوات والإمكانات اللازمة لتقليل تفاوت القوة والسلطة. ولذلك، وقعت في خطأ إدراك الواقع السياسي، عندما كانت صياغاتها أقرب إلى شروط الإذعان. وبالتالي، يمكن تصنيفها إطاراً للإعلان عن الموقف السياسي، فمبادراتٌ كثيرة اقتصر على نشرها في وسائل الإعلام، وانتهت من دون معرفة مصيرها أو موقف الأطراف الداعمة لها.

اجتهادات جديدة للإخوان
لعل المفارقة التي تضمنتها مقابلة قناة الجزيرة مع إبراهيم منير، نائب المرشد العام لـ "الإخوان المسلمين"، هو أنه، للمرة الأولى، تدخل تصريحات الجماعة إلى تناول قضايا المستقبل، ومحاولة الخروج من الحلقة المفرغة، حيث يكون التعامل مع الأزمة السياسية عن طريق تعزيز دور المجتمع السياسي، وهو سياقٌ يطرح إعادة الاعتبار للدور الاجتماعي ليستوعب كل المكونات السياسية والاجتماعية.

فمن المرّات القليلة، يتبنى الخطاب السياسي لـ "الإخوان" رؤيةً انفتاحيةً على كل الخيارات السياسية، حيث كشف عن ملامح تصور لبناء جسورٍ مع كل القوى والأطراف السياسية، وذلك على خلاف حوارات وتصريحات أخرى، تميل إلى إثارة الخلاف وقطع التواصل.

وكان تعريف طبيعة العمل السياسي سريع التغير في تشكل المشهد، نقطة جديرة بالانتباه، لكونها تخرج من نطاق الأيديولوجيات الصارمة، وفق إطار موازنة المفاسد والمصالح، وهو لا يتطلب تنازلاتٍ بقدر ما يتطلب إعادة تصحيح خطأ السياسات ومراعاة النتائج المترتبة عليها، وشروط تحقيق العدالة والاستقرار.

ويعكس مصطلح "حكماء المجتمع" أن مساهمة جماعة الإخوان هي ضمن مساهمات الأطراف الأخرى، مثل توجه إلى تحفيز المسؤولية الاجتماعية التضامنية، ويفتح الباب أمام تكوين كتلة وطنية غير إقصائية، فظهور مصطلح "حكماء" يعدّ مساهمةً نوعيةً في التناول السياسي، ومع اقترابها من فكرة "الجمعية الوطنية"، فإنه يمكن اعتبارها خطوةً لتجاوز الأزمة، حيث أن المسألة، في التحليل الأخير، تخص المجتمع، بوصفها حاضنة للدولة.
 
وإزاء تركيز الانتقادات على فكرة الحل السياسي ـ الاجتماعي، صدر بيان عن "الإخوان المسلمين" يشير إلى استمرار موقفهم من قضايا الثورة، وبشكلٍ يكشف عن تباينٍ في المواقف الداخلية، ويوضح أنه يصعب الاقتراب من مراجعة المسارات السياسية وتقييمها، أو طرح سياسةٍ تصحيحية والدفاع عنها.

فعلى مدى سنوات احتدام الأزمة السياسية، يحدث تراجع في سقف الفرص الممكن تحقيقها، وظلت المعارضة تعمل تحت حالة تعيق تكوين إطار مشترك. ولذلك، تشير الحالة الراهنة إلى أنه، في حالة حدوث تغيير، سوف يكون من داخل النخبة السياسية التقليدية، فعلى الرغم من مشكلاتٍ تمر بها الدولة، تبدو المعارضة أكثر تفككاً من النواحي الفكرية والتنظيمية.
ويمكن تفسير تسارع الانتقادات لهذه الأفكار بعدم الاستقرار على اكتمال الأجندة السياسية أو غموض الضمانات الكافية، وبشكل عام، تبدو الانتقادات متأثرةً بالميراث السياسي لـ"الإخوان" منذ 2011 وأعبائه اللاحقة.

ليس ثمّة خلاف حول أن توفر الثقة المتبادلة بين المعارضة يساعد على مراجعة السياسات، ويدعم بناء نظام للعدالة الانتقالية. وهذا ما يعد من الشروط الضرورية لمنع تحول الخلاف أو الصراع ليكون بين المستفيدين من الأزمة وتداعياتها وبين المتضرّرين منها، ما يجعل الإصلاح واستيعاب التوتر من أهم التحدّيات التي تواجه المجتمع، ففكرة المصالحة، بحد ذاتها، يمكن أن تكون فرصة للتفكير في فرضيات تجاوز الاختناق الاجتماعي والتضييق على فرص انفلات الأزمة.