آخر الأخبار :

علاقات مرتبكة : بين تونس وإيران

حسن الوريث
حسن الوريث
2016/12/15 الساعة 09:18 مساءً
اتسمت العلاقات التونسية الإيرانية بمنحنياتٍ جعلتها تتراوح بين القطيعة والتواصل، وبين الجمود والتطور، فقد شهدت توتراً واضحاً في ثمانينيات القرن الماضي، لتصل إلى ذروتها بقطع العلاقات الدبلوماسية على خلفية اتهام النظام البورقيبي إيران بدعم قوى دينية في البلاد، غير أنه بعد وصول بن علي إلى السلطة إثر انقلاب 7/11/ 1987 سيتغير مؤشر العلاقات، بدايةً من عودة الدفء في المجال الدبلوماسي سنة 1990، ولتتطور بعدها إلى نوعٍ من المصالح المتبادلة، حين تم إنشاء لجنة مشتركة دائمة، تنعقد دورياً مرتين في السنة، بإشراف نائب الرئيس الإيراني ورئيس الحكومة التونسي. وقد تم زمن حكم بن علي توقيع أكثر من 20 بروتوكولاً للتعاون المشترك بين الطرفين. وقد انعكس هذا التعاون على المواقف السياسية والثقافية بين الطرفين، بداية من حرص السلطات الإيرانية على قطع علاقاتها مع التيارات الإسلامية التونسية المعارضة حكم بن علي (تحديداً حركة النهضة)، بل والثناء على "المقاربة الإسلامية للرئيس زين العابدين بن علي"، مثلما أكد سعيد النعماني المستشار السابق لقائد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي، في محاضرة في تونس سنة 2002، بمناسبة شهر رمضان.
وفي المقابل، غض نظام بن علي البصر عن نشاط الجماعات الشيعية الموالية لإيران في تونس التي لم تخف تثمينها سياسات بن علي، خلافاً لنقدها مرحلة حكم الرئيس الحبيب بورقيبة (بيان القيادي الشيعي التونسي عماد الدين الحمروني في موقع تونس نيوز في 8 يوليو/ تموز 2007، ورد فيه "حركة السابع من نوفمبر هي حركة أرادت الاستجابة لنداء الشعب، لإسقاط بورقيبة وأعوانه، وإعادة الاعتبار لكرامة الشعب وهيبة الدولة، وما الفرح والاحتفالات التي أقامها شعبنا عند الإعلان عن نهاية الحقبة البورقيبية إلا دليل أن شعبنا شارك مشاركة فعالة في إسقاط بورقيبة وحاشيته"). وبالنظر إلى توطد العلاقات بين الطرفين، لم يكن غريباً أن يحاول 
نظام بن علي الاستفادة من القنوات الإعلامية الشيعية لتبييض صورته الاستبدادية لدى الرأي العام، وهو ما يمكن ملاحظته من الدعم المالي الموجه لقناة المنار الناطقة باسم حزب الله أو قناة "أن بي أن" الموالية لحركة أمل، وهو ما ورد في الوثائق الصادرة عن وكالة الاتصال الخارجي (الذراع الدعائية للنظام في حينه)، وتم كشفها في "الكتاب الأسود" الذي صدر في فترة حكم الرئيس السابق، المنصف المرزوقي. (يرد في ص 66 في "الكتاب الأسود" أنه تم تخصيص 100 ألف دولار سنوياً لقناة المنار و75 ألف دولار سنوياً لقناة "أن بي أن").
وبعد الثورة، وعلى الرغم من الموقف المعلن للنظام الإيراني حول تأييد التحول السياسي الذي شهدته تونس، فإن العلاقة بين الطرفين لم تكن بتلك القوة المفترضة، خصوصاً في ظل الموقف الرسمي التونسي زمن حكم الترويكا المؤيد للثورة السورية، الأمر الذي أثار حفيظة إيران.
وتميزت السياسة الإيرانية نحو الثورة التونسية بنوعٍ من التناقض، حيث كثفت إيران من محاولاتها للتواصل مع قوى سياسية ونخب ثقافية في البلاد، من دون أن تطور مواقفها نحو دعم فعلي للدولة التونسية، من الناحية الاقتصادية خصوصاً. والملاحظ أن إيران تبنت سياسةً تقوم على دعم أطراف محدّدة، وتمويل جماعاتٍ، أو أفراد ممن تعتبرهم قريبين لمواقفها السياسية، خصوصاً من الثورة السورية، أو الجمعيات الموالية لها عقدياً. وفي المقابل، كانت مواقف الحكومات التونسية المتعاقبة حذرةً من السياسات الإيرانية، ولتصل إلى نوع من الانفصال غير المعلن في المرحلة الأخيرة، حيث شكلت المواقف الرسمية التونسية المؤيدة للتوجهات السعودية نقطة خلافٍ مركزيةٍ بين الطرفين، حيث ندّدت الخارجية التونسية باقتحام السفارة السعودية في طهران، وهو موقف تطابقت فيه الحكومة مع مواقف بعض القوى السياسية الكبرى في تونس (بيانات حركة النهضة التي تقترب من الموقف السعودي في خصوص الأزمة اليمنية، أو تأييدها الثورة السورية).
وقد مثّل غياب إيران عن مؤتمر الاستثمار الدولي الذي نظمته تونس في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي علامةً على حالة الاحتراز الإيراني من الموقف الرسمي التونسي الذي يعتبر أقرب إلى السياسة السعودية. وقد كان سماح السلطات التونسية لحركة النضال العربي لتحرير
 الأحواز المناوئة للسلطات الإيرانية بتنظيم مؤتمر في تونس (في 03/12/ 2016) بشأن الانتهاكات الجارية في مناطق الشعوب غير الفارسية، وما سماها المؤتمر جرائم الإبادة الجماعية للنظام الإيراني، تعبيراً عن مدى البرود الذي يطبع العلاقات الرسمية بين الحكومة التونسية والسلطات الإيرانية. وقد عرف المؤتمر الذي شهد دعوات صريحة لحمل السلاح لإطاحة الحكم الإيراني لمنطقة الأحواز مشاركة شخصيات حقوقية محسوبة على اليسار التونسي، ومن أبرزهم راضية النصراوي الناشطة الحقوقية وزوجة زعيم حزب العمال الشيوعي حمة الهمامي وعبد الستار بن موسى الرئيس السابق للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بالإضافة إلى قيادات حزبية منضوية ضمن الجبهة الشعبية اليسارية. وربما كان السماح بتنظيم المؤتمر رسالةً واضحةً حول الاصطفاف الرسمي التونسي مع الموقف السعودي في صراعه مع النفوذ الإيراني في المنطقة. وهو تجسيدٌ للتوجهات السياسية الخارجية التي يعتمدها الرئيس، الباجي قائد السبسي، والتي تبدو أقرب إلى سياسات الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي كان ينظر بريبة للسياسات الإيرانية، ولم يكن مرتاحاً للتوجهات التي تنطلق منها، بالإضافة إلى الحرص على الحفاظ على علاقات دبلوماسية قوية مع الدول القريبة تقليدياً من تونس، ونعني بها تحديداً المملكة السعودية.